الثلاثاء، 10 مارس 2020

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ 2

فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِـعٍ :: فَأَلْهَيْتُهَـا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْـوِلِ

خفض فمثلك بإضمار رُبّ، أراد فرب امرأة حبلى. 
الطروق: الإتيان ليلًا، والفعل طرق يطرق.
 المرضع: التي لها ولد رضيع، والمعول في هذا الباب على السماع إذ هو غير منقاد للقياس.
 لهيت عن الشيء ألهى عنه لهيًا إذا شغلت عنه وسلوت، وألهيته إلهاء إذا شغلته. 
التميمة: العوذة
يقول: فربَّ امرأة حبلى قد أتيتها ليلًا وربّ امرأة ذات رضيع أتيتها ليلًا فشغلتها عن ولدها الذي علقت على العوذة وقد أتى عليه حول كامل، أو قد حبلت أمه بغيره فهي ترضعه على حبلها، وإنما خص الحبلى والمرضع؛ لأنهما أزهد النساء في الرجال وأقلهن شغفًا بهم وحرصًا عليهم، فقال: خدعت مثلهما مع اشتغالهما بأنفسهما فكيف تتخلصين مني؟ قوله: فمثلك، يريد به فرُبَّ امرأة مثل عنيزة في ميله إليها وحبه لها؛ لأن عنيزة في هذا الوقت كانت عذراء غير حبلى ولا مرضع.
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ :: بِشَـقٍّ وتَحْتِي شِقُّهَا لَمْ يُحَـوَّلِ
شقّ الشيء: نصفه. 
يقول: إذا ما بكى الصبي من خلف المرضع انصرفت إليه بنصفها الأعلى فأرضعته وأرضته وتحتي نصفها الأسفل لم تحوله عني، وصف غاية ميلها إليه وكلفها به حيث لم يشغلها عن مرامه ما يشغل الأمهات عن كل شيء.
ويَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيْبِ تَعَـذَّرَتْ :: عَلَـيَّ وَآلَـتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّـلِ
الكثيب: رمل كثير، والجمع أكثبة وكُثُب وكثبان.
 التعذر: التشدد 
والالتواء والإيلاء والائتلاء والتألّي: الحلف، يقال: آلى وائتلى وتأَلّى إذا حلف، واسم اليمين الأَلِيَّة والأَلوة والأُلوة معًا، 
والْحَلْف المصدر. والْحَلِف بكسر اللام. الاسم. الحلفة: المرة. 
التحلل في اليمين: الاستثناء. نصب حلفة لأنها حلت محل الإيلاء كأنه قال: وآلت إيلاء والفعل يعمل فيما وافق مصدره في المعنى كعمله في مصدر نحو قولهم: إني لأشنؤه1 بغضًا وإني لأبغضه كراهية. 
يقول: وقد تشددت العشيقة والْتَوت، وساءت عشرتها يومًا على ظهر الكثيب المعروف، وحلفت حلفًا لم تستثن فيه أنها تصارمني وتهاجرني، هذا، ويحتمل أن يكون صفة حال اتفقت له مع عنيزة، ويحتمل أنها اتفقت مع المرضع التي وصفها.
أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ :: وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي
مهلًا: أي رفقًا.
 الإدلال والتدليل: أي يثق الإنسان بحب غيره إياه فيؤذيه على حسب ثقته به، والاسم الدّالة والدال والدلال. 
أزمعت الأمر وأزمعت عليه: وطّنت نفسي عليه.
يقول: يا فاطمة دعي بعض دلالك وإن كنت وطّنت نفسك على فراقي فأجملي في الهجران. نصب بعض؛ لأن مهلًا ينوب مناب دع. الصرم: المصدر، يقال: صرمت الرجل أصرمه صرمًا إذا قطعت كلامه، والصرم الاسم. فاطمة: اسم المرضع أو عنيزة، وعنيزة لقب لها فيما قيل.
أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـكِ قَاتِلِـي :: وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
يقول: قد غرك مني كون حبك قاتلي وكون قلبي منقادًا لك بحيث مهما أمرته بشيء فعله. وألف الاستفهام دخلت على هذا القول للتقرير لا للاستفهام والاستخبار، يريد أنهم خير هؤلاء، وقيل: بل معناه قد غرك مني أنك علمت أن حبك مُذلّلي، والقتل التذليل، وأنك تملكين فؤادك فمهما أمرت قلبك بشيء أسرع مرادك فتحسبين أني أملك عنان قلبي كما ملكت عنان قلبك حتى يسهل علي فراقك كما سهل عليك فراقي، ومن الناس من حمله على مقتضى الظاهر وقال: معنى البيت: أتوهمت وحسبت أن حبك يقتلني أو أنك مهما أمرت قلبي بشيء فعله؟ قال: يريد أن الأمر ليس على ما خيل إليك فإني مالك زمام قلبي، والوجه الأمثل هو الوجه الأول وهذا القول أرذل الأقوال، لأن مثل هذا الكلام لا يستحسن في النسيب بالحبيب.
وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ :: فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ
من الناس من جعل الثياب في هذا البيت بمعنى القلب، فالمعنى على هذا القول: إن ساءك خلق من أخلاقي وكرهت خصلة من خصالي فردي على قلبي أفارقك، ولا معنى على هذا القول: استخرجي قلبي من قلبك يفارقه.
 النسول: سقوط الريش والوبر والصوف والشعر، يقال: نسل ريش الطائر ينسل نسولًا، واسم ما سقط النسيل والنسال؛ ومنهم من رواه تنسلي وجعل الانسلاء بمعنى التسلي، والرواية الأولى أولاهما بالصواب، ومن الناس من حمل الثياب في البيت على الثياب الملبوسة وقال: كنّى بتباين الثياب وتباعدها عن تباعدهما، وقال: إن ساءك شيء من أخلاقي فاستخرجي ثيابي من ثيابك أي: ففارقيني وصارميني كما تحبين فإني لا أوثر إلا ما أثرت ولا أختار إلا ما اخترت لانقيادي لك وميلي إليك، فإذا آثرتِ فراقي آثرتُه وإن كان سبب هلاكي وجالب موتي.
وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي :: بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـلِ
ذرف الدمع ذريفًا وذرفانًا وتذرافًا إذا سال، ثم يقال: ذرفت [عينه] ، كما يقال: دمعت عينه، وللأئمة في البيت قولان، قال الأكثرون: استعار لِلَحْظِ عينيها ودمعهما اسم السهم لتأثيرهما في القلوب وجرحهما إياها كما أن السهام تجرح الأجسام وتؤثر فيها. والأعشار من قولهم: برمة أعشار إذا كانت قطعًا، ولا واحد لها من لفظها. المقتّل: المذلل غاية التذليل، والقتل في الكلام التذليل، وتلخيص المعنى على هذا القول: وما دمعت عيناك وما بكيت إلا لتصيدي قلبي بسهمي دمع عينيك وتجرحي قطع قلبي الذي ذللته بعشقك غاية التذليل، أي نكايتهما في قلبي نكاية السهم في المرمى، وقال آخرون: أراد بالسهمين المعلّى والرقيب من سهام الميسر. والجزور1 يقسم على عشرة أجزاء، فللمعلّى سبعة أجزاء وللرقيب ثلاثة أجزاء، فمن فاز بهذين القدحين فقد فاز بجميع الأجزاء وظفر بالجزور، وتلخيص المعنى على هذا القول: وما بكيت إلا لتملكي قلبي كله وتفوزي بجميع أعشاره وتذهبي بكله والأعشار على هذا القول جمع عشر؛ لأن أجزاء الجزور عشرة، والله أعلم
وبَيْضَـةِ خِدْرٍ لاَ يُرَامُ خِبَاؤُهَـا :: تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَـلِ
أي: ورب بيضة خدر، يعني: ورب امرأة لزمت خدرها، ثم شبهها بالبيض، والنساء يشبهن بالبيض من ثلاثة أوجه: أحدها بالصحة والسلامة عن الطمث والثاني: في الصيانة والستر؛ لأن الطائر يصون بيضه ويحضنه، والثالث: في صفاء اللون ونقائه؛ لأن البيض يكون صافي اللون نقيه إذا كان تحت الطائر، وربما شبهت النساء ببيض النعام، وأريد أنهن بيض تشوب ألوانهن صفرة يسيرة وكذلك لون بيض النعام، الرَّوم: الطلب والفعل منه يروم: الخباء: البيت إذا كان من قطن أو وبر أو صوف أو شعر، والجمع الأخبية. التمتع: الانتفاع. وغير يروى بالنصب والجر فالجر على صفة لهو، والنصب على الحال من التاء في تمتعت.
ويقول: وربّ امرأة كالبيض في سلامتها من الافتضاض، أو في الصون والستر أو في صفاء اللون ونقائه، أو في بياضها المشوب بصفرة يسيرة ملازمة خدرها غير خرَّاجة ولَّاجة انتفعت باللهو بها على تمكث وتلبث لم أعجل عنها ولم أشغل عنها بغيرها.
تَجَاوَزْتُ أحْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَـراً :: عَلَّي حِرَاصاً لَوْ يُسِرُّوْنَ مَقْتَلِـي
لأحراس يجوز أن يكون جمع حارس بمنزلة صاحب وأصحاب وناصر وأنصار وشاهد وأشهاد، ويجوز أن يكون جمع حرس بمنزلة جبل وأجبال وحجر وأحجار، ثم يكون الحرّس جمع حارس بمنزلة خادم وخدّم وغائب وغيّب وطالب وطلّب وعابد وعبّد. 
والمعشر: القوم. والجمع المعاشر. 
الحراص: جمع حريص، مثل ظراف وكرام ولئام في جمع ظريف وكريم ولئيم. الإسرار: الإظهار والإضمار جميعًا؛ وهو من الأضداد، ويروى: لو يشرون مقتلي بالشين المعجمة وهو الإظهار لا غير.
يقول: تجاوزت في ذهابي إليها وزيارتي إياها أهوالًا كثيرةً وقومًا يحرسونها وقومًا حراصًا على قتلي لو قدروا عليه في خفية؛ لأنهم لا يجترئون على قتلي جهارًا، أو حراصًا على قتلي لو أمكنهم قتلي ظاهرًا لينزجر ويرتدع غيري عن مثل صنيعي؛ وحمله على الأول أولى؛ لأنه كان ملكًا والملوك لا يقدر على قتلهم علانية.
إِذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ :: تَعَـرُّضَ أَثْنَاءَ الوِشَاحِ المُفَصَّـلِ
التعرض: الاستقبال، والتعرض إبداء العرض، وهو الناحية، والتعرض الأخذ في الذهاب عرضًا. الأثناء: النواحي، 
والأثناء: الأوساط، يقول: تجاوزت إليها في وقت إبداء الثريا عرضها في السماء كإبداء الوشاح الذي فصل بين جواهره وخرزه بالذهب أو غيره عرضه.
يقول: أتيتها عند رؤية نواحي كواكب الثريا في الأفق الشرقي، ثم شبه نواحيها بنواحي جواهر الوشاح، هذا أحسن الأقوال في تفسير البيت، ومنهم من قال: شبه كواكب الثرايا بجواهر الوشاح؛ لأن الثريا تأخذ وسط السماء كما أن الوشاح يأخذ وسط المرأة المتوشحة، ومنه من زعم أنه أراد الجوزاء فغلط وقال: الثريا لأن التعرّض للجوزاء دون الثريا، وهو قول محمد بن سلام الجمحي، وقال بعضهم: تعرض الثريا أنها إذا بلغت كبد السماء في العرض ذاهبة ساعة كما أن الوشاح يقع مائلًا إلى أحد شِقَّيْ المتوشحة به.
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا :: لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ
نضا الثياب ينضوها نضوًا إذا خلعها، ونضّاها يُنضِّيها إذا أراد المبالغة، 
اللِبسة: حالة اللابس وهيئة لبسه الثياب بمنزلة الْجِلسة والقِعدة والركبة والرِدية والإزرة1. المتفضل: اللابس ثوبًا واحدًا إذا أراد الخفة في العمل والفضلة والفضل اسمان لذلك.
يقول: أتيتها وقد خلعت ثيابها عند النوم غير ثوب واحد تنام فيه وقد وقفت عند الستر مترقبة ومنتظرة، وإنما خلعت الثياب لتري أهلها أنها تريد النوم.
فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ :: وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي
اليمين: الحلف.
 الغواية والغي: الضلالة، والفعل: غوي يغوى غواية، ويروى العماية وهي العمى. 
الانجلاء: الانكشاف، وجلوته: كشفته فانجلى. الحيلة أصلها حولة فأبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وإن في قوله وما إن زائدة، 
يقول: فقالت الحبيبة: أحلف بالله ما لك حيلة، أي: ما لي لدفعك عني حيلة، وقيل: بل معناه ما لك حجة في أن تفضحني بطروقك إياي وزيارتك ليلًا، يقال: ما له حيلة أي: ما له عذر وحجة، وما أرى ضلال العشق وعماه منكشفًا عنك، تحرير المعنى أنها قالت: ما لي سبيل إلى دفعك أو ما لك عذر في زيارتي وما أراك نازعًا عن هواك وغيك، ونصب يمين الله كقولهم: الله لأقومن، على إضمار الفعل، وقال الرواة: هذا أغنج بيت في الشعر.
خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا :: عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ
خرجت بها أفادت الباء تعدي الفعل، والمعنى: أخرجتها من خدرها،
 الأَثَرُ والإثر واحد، وأما الأثر. بفتح الهمزة وسكون الثاء. فهو فرند السيف. ويروى: على إثرنا أذيال، والذيل يجمع على الأذيال والذيول. المرط عند العرب. كساء من خز أو مرعزى1 أو من صوف، وقد تسمى الملاءة مرطًا أيضًا، والجمع المروط. المرحَّل: المنقش بنقوش تشبه رحال الإبل، يقال: ثوب مرحل وفي هذا الثوب ترحيل.
يقول: فأخرجتها من خدرها وهي تمشي وتجر مرطها على أثرنا لتُعَفِّي به آثار أقدامنا، والمرط كان موشّي بأمثال الرحال، ويروى: نير مرط، والنير: علم الثوب.
فَلَمَّا أجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَـى :: بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ
يقال: أجزت المكان وجزته إذا قطعته إجازة وجوازًا،
 الساحة تجمع على الساحات والساح والسوح مثل قارة وقارات وقار وقور. والقارة: الجبيل الصغير.
 الحي: القبيلة، والجمع الأحياء، وقد تسمى الحلة حيًّا. 
الانتحاء والتنحي والنحو: الاعتماد على الشيء، ذكره ابن الاعرابي.
 البطن: مكان مطمئن حوله أماكن مرتفعة والجمع أبطن وبطون وبطنان.
 الخبت: أرض مطمئنة. 
الحقف: رمل مشرف معوج، والجمع أحقاف وحقاف، ويروى ذي قفاف وهي جمع قف: وهو ما غلظ وارتفع من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلًا. 
العقنقل: الرمل المنعقد المتلبد. وأصله من العقل وهو الشد
يقول: فلما جاوزنا ساحة الحلة وخرجنا من بين البيوت وصرنا إلى أرض مطمئنة بين حقاف، يريد مكانًا مطمئنًا أحاطت به حقاف أو قفاف منعقدة؛ والعقنقل من صفة الخبث لذلك لم يؤنثه، ومنهم من جعله من صفة الحقاف وأحلّه محل الأسماء وعطله من علامة التأنيث لذلك. وقوله: انتحى بنا بطن خبت أسند الفعل إلى بطن خبت والفعل عند التحقيق لهما ولكنه ضرب من الاتساع في الكلام، والمعنى صرنا إلى مثل هذا المكان؛ وتلخيص المعنى: فلمّا خرجنا من مجمع بيوت القبيلة وصرنا إلى مثل هذا الموضع طاب حالنا وراق عيشنا.
هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ :: عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ
الهصر: الجذب والفعل هصر يهصر. 
الفودان جانبا الرأس. 
تمايلت أي: مالت. ويروى بغصني دومة، والدوم: شجر المقل1، واحدتها دومة، شبهها بشجرة الدوم وشبه ذؤابتيها2 بغصنين وجعل ما نال منها كالثمر الذي يجتنى من الشجر، ويروى إذا قلت هاتي ناوليني تمايلت، والنول والإنالة والتنويل: الإعطاء، ومنه قيل للعطية نوال. 
هضيم الكشح: ضامر الكشح، والكشح: منقطع الأضلاع، والجمع كشوح وأصل الهضم الكسر، والفعل هضم يهضم، وإنما قيل لضامر البطن هضيم الكشح؛ لأنه يَدِقّ بذلك الموضع من جسده فكأنه هضيم عن قرار الردف والجنبين والوركين.
 ريّا: تأنيث الريان.
 المخلخل: موضع الخلخال من الساق، والمسوّر: موضع السوار من الذراع، والمقلد: موضع القلادة من العنق, والمقرّط: موضع القرط من الأذن. 
عبر عن كثرة لحم الساقين وامتلائهما بالري. هصرت جواب لَمَّا من البيت الأول عن البصريين، وأما الرواية الثالثة وهي: إذا قلت فإن الجواب مضمر محذوف عن تلك الرواية على ما مرّ ذكره في البيت الذي قبله.
يقول: لَمّا خرجنا من الحلة وأمنّا الرقباء جذبت ذؤابتيها إلَيّ فطاوعتني فيما رمت منها ومالت عليّ مسعفة بطلبتي في حال ضمر كشحيها وامتلاء ساقيها باللحم، والتفسير على الرواية الثالثة: إذا طلبت منها ما أحببت وقلت: أعطيني سؤلي كان ما ذكرنا، ونصب هضيم الكشح على الحال ولم يقل هضيمة الكشح؛
مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ :: تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ
المهفهفة: اللطيفة الخصر الضامرة البطن. 
المفاضة: المرأة العظيمة البطن المسترخية اللحم. 
الترائب جمع التريبة: وهي موضع القلادة من الصدر. 
السقل والصقل، بالسين الصاد: إزالة الصدأ والدنس وغيرهما. والفعل منه سقل يسقل وصقل يصقل. 
السجنجل: المرآة، لغة رومية عربتها العرب، وقيل بل هو قطع الذهب والفضة.
يقول: هي امرأة دقيقة الخصر ضامرة البطن غير عظيمة البطن ولا مسترخيته، وصدرها بَرَّاق اللون متلألئ الصفاء كتلألؤ المرآة.
كَبِكْرِ المُقَـانَاةِ البَيَاضَ بِصُفْــرَةٍ:: غَـذَاهَا نَمِيْرُ المَاءِ غَيْرُ المُحَلَّــلِ
البكر من كل صنف: ما لم يسبقه مثله. المقاناة: الخلط يقال: قانيت بين الشيئين إذا خلطت أحدهما بالآخر، والمقاناة في البيت مصوغة للمفعول دون المصدر. النمير: الماء النامي في الجسد. المحلّل ذكر أنه من الحلول، وذكر أنه من الحل، ثم إن للأئمة في تفسير البيت ثلاثة أقوال، أحدها: أن المعنى كبكر البيض التي قوني بياضها بصفرة، يعني بيض النعام وهي بيض تخالط بياضها صفرة يسيرة، شبه لون العشيقة بلون بيض النعام في أن في كل منهما بياضًا خالطته صفرة، ثم رجع إلى صفتها فقال: غذاها نمير عذب لم يكثر حلول الناس عليه فيكدره ذلك، يريد أنه عذب صاف، وإنما شرط هذا؛ لأن الماء من أكثر الأشياء تأثيرًا في الغذاء لفرط الحاجة إليه فإذا عذب وصفا حسن موقعه في غذاء شاربه؛ وتلخيص المعنى على هذا القول: إنها بيضاء تشوب بياضها صفرة وقد غذاها ماء نمير عذب صافٍ، والبياض الذي شابته صفرة أحسن ألوان النساء عند العرب.
والثاني: أن المعنى كبكر الصدفة التي خولط بياضها بصفرة، وأراد ببكرها درتها التي لم ير مثلها، ثم قال: قد غذا هذه الدرة ماء نمير وهي غير محللة لمن رامها؛ لأنها في قعر البحر لا تصل إليها الأيدي، وتلخيص المعنى على هذا القول: إنه شبهها في صفاء اللون ونقائه بدرة فريدة تضمنتها صدفة بيضاء شابت بياضها صفرة وكذلك لون الصدفة، ثم ذكر أن الدرة التي أشبهتها حصلت في ماء نمير لا تصل إليها أيدي طلابها، وإنما شرط النمير والدر لا يكون إلا في الماء الملح؛ لأن الملح له بمنزلة العذب لنا إذ صار سبب نمائه كما صار العذب سبب نمائنا.
والثالث: أنه أراد كبكر البرديّ1 التي شاب بياضها صفرة وقد غذا البردي ماء نمير لم يكثر حلول الناس عليه، وشرط ذلك ليسلم الماء عن الكدر وإذا كان كذلك لم يغير لون البردي، والتشبيه من حيث أن بياض العشيقة خالطته صفرة كما خالطته بياض البردي. ويروى البيت بنصب البياض وخفضه، وهما جيدان، بمنزلة قولهم: زيد الحسن الوجه، والحسن الوجه، بالخفض على الإضافة والنصب على التشبيه كقولهم: زيد الضارب الرجل.
تَـصُدُّ وتُبْدِي عَنْ أسِيْلٍ وَتَتَّقــِي :: بِـنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِـلِ
الصد والصدود: الإعراض والصد أيضًا الصرف والدفع، والفعل منه صدَّ يصُدُّ، والإصداد الصرف أيضًا.
 الإبداء: الإظهار. 
الأسالة: امتداد وطول في الخد وقد أسل أسالة فهو أسيل.
 الاتقاء: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقيته بترس أي: جعلت الترس حاجزًا بيني وبينه. 
وجرة: موضع، الْمُطفِل: التي لها طفل.
 الوحش: جمع وحشي مثل زنج وزنجي وروم ورومي 
يقول: تعرض العشيقة عني وتظهر خدًّا أسيلًا، وتجعل بيني وبينها عينًا ناظرة من نواظر وحش هذا الموضع التي لها أطفال، شبهها في حسن عينيها بظبية مُطْفِلِ أو بمهاة مطفل، وتلخيص المعنى: أنها تعرض عنا فتظهر في إعراضها خدًّا أسيلا وتسقبلنا بعين مثل عيون ظباء وجرة أو مهاها واللواتي لها أطفال، وخصهن لنظرهن إلى أولادهن بالعطف والشفقة وهي أحسن عيونًا في تلك الحال منهن في سائر الأحوال. قوله: عن أسيل، أي عن خد أسيل، فحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه كقوله: مررت بعاقل، أي: بإنسان عاقل، وقوله: من وحش وجرة، أي: من نواظر وحش وجرة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه
وجِـيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِـشٍ :: إِذَا هِـيَ نَصَّتْـهُ وَلاَ بِمُعَطَّــلِ
الرئم: الظبي الأبيض الخالص البياض، والجمع آرام.
 النص: الرفع، ومنه سمي ما تُجلى عليه العروس مِنَصَّة، ومنه النص في السير وهو حمل البعير على سير شديد، ونصصت الحديث أنصه نصًّا: رفعته.
 الفاحش: ما جاوز القدر المحمود من كل شيء.
يقول: وتبدي عن عنق كعنق الظبي غير متجاوز قدره المحمود إذا ما رفعت عنقها، وهو غير معطل، عن الحلي، فشبه عنقها بعنق الظبية في حال رفعها عنقها، ثم ذكر أنه لا يشبه عنق الظبي في التعطل عن الحلي.

الاثنين، 9 مارس 2020

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ

معلقة امرئ القيس هي قصيدة من الشعر العربي تُنسب إلى الشاعر امرئ القيس الكندي الشهير بـالملك الضليل، قالها قي القرن السادس الميلادي وهي أشهر المعلقات، وتُصنّف بأنّها من أجود ما قيل في الشعر العربي، وهي منظومة على البحر الطويل، وقد اختلف الرواة في عدد أبياتها، فروى بعضهم أنها من 77 بيتًا وآخرون قالوا أنها: 81 بيتًا وآخرون قالوا أنها: 92 بيتًا.


قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ

بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ






السقط: منقطع الرمل حيث يستدق من طرفه، والسقط أيضًا ما يتطاير من النار، والسقط أيضًا المولود لغير تمام، وفيه ثلاث لغات: سَقط وسِقط وسُقط في هذه المعاني الثلاثة 

اللوى: رمل يعوج ويلتوي. 
الدخول وحومل: موضعان.

يقول: قفا وأسعداني وأعيناني، أو قف وأسعدني على البكاء عند تذكري حبيبًا فارقته ومنزلًا خرجت منه، وذلك المنزل أو ذلك الحبيب أو ذلك البكاء بمنقطع الرمل المعوج بين هذين الموضعين.


فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها :: لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ

توضح والمقراة موضعان وسقط اللوي بين هذه المواضع الأربعة، 
قوله: لم يعف رسمه، أي لم يَنْمَحِ أثرها. الرسم ما لصق بالأرض من آثار الدار مثل البعر والرماد وغيرهما. والجمع أرسم ورسوم،
 قوله: وشمأل فيها ست لغات: شمال وشمأل وشأمل وشمول وشَمْل وشَمَل. نسج الريحين: اختلافهما عليها وستر إحداهما إياها بالتراب وكشف الأخرى التراب عنها.
يقول: لم ينمحِ ولم يذهب أثرها؛ لأنه إذا غطته إحدى الريحين بالتراب كشف الأخرى التراب عنها، وقيل: بل معناه لم يقتصر سبب محوها على نسج الريحين بل كان له أسباب منها هذا السبب ومر السنين وترادف الأمطار وغيرها، وقيل: بل معناه لم يعف رسم حبها من قلبي وإن نسجتها الريحان، والمعنيان الأولان أظهر من الثالث وقد ذكرها كلها أبو بكر ابن الأنباري

تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـا ::وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــلِ
الأرآم: الظباء البيض الخالصة البياض، وهي تسكن الرمل. 
عرصات في “المصباح”: عرصة الدار ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء
قيعان جمع قاع وهو المستوي من الأرض، وقيعة مثل القاع، 
الفلفل قال في القاموس: كهدهد وزبرج، حب هندي، ونسب الصاغاني،
يقول: انظر بعينيك تر هذه الديار التي كانت مأهولة مأنوسة بهم خصبة الأرض، كيف غادرها أهلها وأقفرت من بعدهم أرضها وسكنت رملها الظباء، ونثرت في ساحاتها بعرها حتى تراه كأنه حب الفلفل في مستوى رحباتها.

كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـوا :: لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ
الغداة الضحوة، والجمع غدوات
البين: الفرقة وهو المراد هنا، وفي “القاموس”: البين يكون فرقة ووصلًا، اليوم: معروف، مقداره، من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يراد باليوم الوقت مطلقًا،

 تحملوا واحتملوا بمعنى: أي ارتحلوا.
 لدى بمعنى عند.
 سمرات جمع سمرة، بضم الميم: من شجر الطلح.

 الحي: القبيلة من الأعراب، والجمع أحياء.

 نقف الحنظل: شقة عن الهبيد، وهو الحب، كالإنقاف والانتقاف، وهو، أي الحنظل، نقيف ومنقوف، وناقفهِ الذي يشقه.
يقول: كأني عند سمرات الحي يوم رحيلهم ناقف حنظل، يريد وقف بعد رحيلهم في حيرة وقفة جاني الحنظلة ينقفها بظفره ليستخرج منها حبها
وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ :: يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّـلِ
صب وقوفًا على الحال، يريد قفا نبك في حال وقف أصحابي مطيهم علي، الصحب: جمع صاحب، لمطي: المراكب، واحدتها مطية، وتجمع المطية على المطايا والمطي والمطيات،
يقول: قد وقفوا عليّ أي: لأجلي أو على رأسي وأنا قاعد عند رواحلهم ومراكبهم، يقولون لي: لا تهلك من فرط الحزن وشدة الجزع وتجمل بالصبر، وتلخيص المعنى: أنهم وقفوا عليه رواحلهم يأمرونه بالصبر وينهونه عن الجزع.


وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـةٌ :: فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ


لمهراق والمراق: المصبوب، وقد أرقت الماء وهرقته وأهرقته أي صببته:
 المعوّل: المبكى، وقد أعول الرجل وعوّل إذا بكى رافعًا صوته به، والمعول: المعتمد والمتكل عليه أيضًا.
 العبرة: الدمع، وجمعها عبرات، وحكى “ثعلب” في جمعها العِبَر مثل بدرة وبِدَر.
يقول: وإن برئي من دائي ومما أصابني وتخلصي مما دهمني يكون بدمع أصبّه ثم قال: وهل من معتمد ومفزع عند رسم قد درس، أو هل موضع بكاء عند رسم دارس؟ وهذا استفهام يتضمن معنى الإنكار، والمعنى عند التحقيق: ولا طائل في البكاء في هذا الموضع؛ لأنه لا يرد حبيبًا، ولا يجدي على صاحبه بخير، أو لا أحد يعول عليه ويفزع إليه في مثل هذا الموضع،
 وتلخيص المعنى: وإن مخلصي مما بي بكائي، ثم قال: ولا ينفع البكاء عند رسم دارس، أو ولا معتمد عند رسم دارس.

كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَـا :: وَجَـارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَـلِ
الدأْبُ والدأَبُ، بتسكين الهمزة وفتحها: العادة، وأصلها متابعة العمل والجد في السعي، دأب يدأب دأبًا ودئابًا ودءوبًا، وأدأبت السير: تابعته.
 مأسَل، بفتح السين: جبل بعينه، ومأسِل، بكسر السين: ماء بعينه والرواية فتح السين.
يقول: عادتك في حب هذه كعادتك من تينك، أي: قلة حظك من وصال هذه ومعاناتك الوجد بها كقلة حظك من وصالهما، ومعاناتك الوجد بهما، قوله: قبلها أي: قبل هذه التي شغفت بها الآن.

إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَـا :: نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
ضاع الطيب وتضوّع إذا انتشرت رائحته.
 الريّا: الرائحة الطيبة.
يقول: إذا قامت أم الحويرث وأم الرباب فاحت ريح المسك منهما كنسيم الصبا إذا جاءت بعرف القرنفل ونشره. شبه طيب رياهما بطيب نسيم هبّ على قرنفل وأتى بريّاه، ثم لما وصفهما بالجمال وطيب النشر وصف حاله بعد بعدهما.

فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً :: عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي
الصبابة: رقة الشوق، وقد صبّ الرجل يصب صبابة فهو صَبٌّ، والأصل صبب فسكنت العين وأدغمت في اللام.
 المحمل: حمالة السيف، والجمع المحامل، والحمائل جمع الحمالة.
يقول: فسالت دموع عيني من فرط وجدي بهما وشدة حنيني إليهما حتى بلّ دمعي حمالة سيفي.

ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِـحٍ :: وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُـلِ
في ربّ لغات: وهي رُبَّ ورَبَّ ورُبْ ورُبَ ثم تلحق التاء فتقول ربّة وربّت، وربّ موضوع في كلام العرب للتقليل وكم موضوع للتكثير، ثم ربما حملت رُبّ على كم في المعنى فيراد بها التكثير، وربما حملت كم على رب في المعنى فيراد بها التقليل، ويروى: ألا رب يوم كان منهن صالح،
 والسيّ: المثل: يقال هما سيان أي مثلان. ويجوز في يوم الرفع والجر، فمن رفع جعل ما موصولة بمعنى الذي، والتقدير: ولا سي اليوم الذي هو بدارة جلجل، ومن خفض جعل ما زائدة، وخفضه بإضافة سيّ إليه فكأنه قال: ولا سي يوم أي ولا مثل يوم.
 دارة جلجل غدير بعينه.
 يقول: رب يوم فزت فيه بوصال النساء وظفرت بعيش صالح ناعم منهن ولا يوم من تلك الأيام مثل يوم دارة جلجل، يريد أن ذلك اليوم كان أحسن الأيام وأتمها، فأفادت لا سيما التفضيل والتخصيص.
ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَي مَطِيَّتِـي :: فَيَا عَجَباً مِنْ كُوْرِهَا المُتَحَمَّـلِ
العذراء من النساء: البكر التي لم تفتض، والجمع العذارى.
 الكور: الرحل بأداته، والجمع الأكوار والكيران؛ ويروى: من رحلها المتحمل،
 المتحمل: الحمل. فتح يوم مع كونه معطوفًا على مجرور أو مرفوع وهو يومٌ أو يومٍ بدارة جلجل؛ لأنه بناه على الفتح لما أضافه إلى مبني وهو الفعل الماضي، وذلك قوله: عقرت، وقد يبنى المعرب إذا أضيف إلى مبني،

قوله: فيا عجبًا، الألف فيه بدل من ياء الإضافة، وكان الأصل فيا عجبي، وياء الإضافة يجوز قلبها ألفًا في النداء نحو يا غلامًا في يا غلامي، فإن قيل: كيف نادى العجب وليس مما يعقل؟ قيل في جوابه: إن المنادى محذوف، والتقدير: يا هؤلاء أو يا قوم اشهدوا عجبي من كورها المتحمل فتعجبوا منه، فإنه قد جاوز المدى والغاية القصوى؛ وقيل: بل نادى العجب اتساعًا ومجازًا، فكأنه قال: يا عجبي تعال واحضر فإن هذا أو إن إتيانك وحضورك.
فَظَلَّ العَذَارَى يَرْتَمِيْنَ بِلَحْمِهَـا :: وشَحْمٍ كَهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ
يقال: ظل زيد قائمًا إذا أتى عليه النهار وهو قائم، وبات زيد نائمًا إذا أتى عليه الليل وهو نائم، وطفق زيد يقرأ القرآن إذا أخذ فيه ليلًا ونهارًا.
 الْهُدَّاب والهدب: اسمان لما استرسل من الشيء نحو ما استرسل من الأشفار من الشعر ومن أطراف
الأثواب، الواحدة هدابة وهدبة، ويجمع الهدب على الأهدب.
 الدمقس والمدقس: الإبريسم(أحسن الحرير.) وقيل: هو الأبيض منه خاصة.
يقول: فجعلن يلقي بعضهن إلى بعض شواء المطية استطابة أو توسعًا فيه طول نهارهن؛ وشبه شحمها بالإبريسم الذي أجيد فتله وبولغ فيه، وقيل هو القز.
 الشحم: السمن.
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْـزَةٍ :: فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاَتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
الخدر: الهودج، والمراد بالخدر في البيت الهودج.
 عنيزة: اسم عشيقته وهي ابنة عمه، وقيل: هو لقب لها واسمها فاطمة، وقيل: بل اسمها عنيزة وفاطمة غيرها.
 قوله: فقالت لك الويلات، أكثر الناس على أن هذا دعاء منها عليه، والويلات: جمع ويلة، والويلة والويل: شدة العذاب، وزعم بعضهم أنه دعاء منها له في معرض الدعاء عليه، والعرب تفعل ذلك صرفًا لعين الكمال عن المدعو عليه. ومنه قولهم: قاتله الله ما أفصحه!
يقول: ويوم دخلت هودج عنيزة فدعت عليّ أو دعت لي في معرض الدعاء عليّ، وقالت: إنك تصيرني راجلة لعقرك ظهر بعيري، يريد أن هذا اليوم كان من محاسن الأيام الصالحة التي نلتها منهن أيضًا.
تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعـاً :: عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ
الغبيط: ضرب من الرِّحال، وقيل: بل ضرب من الهوادج،
الباء في قوله: بنا للتعدية، وقد أمالنا الغبيط جميعًا.
 عقرت بعيري أي: أدبرت ظهره، من قولهم: سرج مُعْقِر وَعُقَر وعُقَرة يعقر الظهر. ومنه قولهم: كلب عقور، ولا يقال في ذي الروح إلا عقور.
يقول: كانت هذه المرأة تقول لي في حال إمالة الهودج أو الرحل إيانا: قد أدبرت ظهر بعيري فانزل عن البعير.
فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـهُ :: ولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـلِ
جعل العشيقة بمنزلة الشجرة، وجعل ما نال من عناقها وتقبيلها وشمها بمنزلة الثمرة لتناسب الكلام. المعلل: المكرر، من قولهم: علّه يعِلَه ويعلّه إذا كرر سقيه وعلله للتكثير والتكرير.
 المعلل: الملهي، من قولك: عللت الصبي بفاكهة أي ألهيته بها، وقد روي في البيت بكسر اللام وفتحها، والمعنى على ما ذكرنا.
يقول: فقلت للعشيقة بعد أمرها إياي بالنزول سيري وأرخي زمام البعير ولا تبعديني مما أنال من عناقك وشمك وتقبيلك الذي يلهيني أو الذي أكرره، ويقال لمن على الدابة سار يسير كما قال للماشي كذلك؛ قال: سيري وهي راكبة. الجنى: اسم لما يجتني من الشجر، والجني المصدر، يقال: جنيت الثمرة واجتنيتها.


موقف عمر مع السنة

عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمَرْأَةِ، تَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: " لِيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ "، فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: " أَرَبْتَ (1) عَنْ يَدَيْكَ، سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنِّي مَا أُخَالِفُ " (2)

المسند (15440) وغيره صححه شعيب والوادعي في الصحيح المسند 

وفي هذا الحديثِ يقولُ الحارِثُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِي اللهُ عَنه "أتيتُ عُمرَ بنَ الخطَّابِ، فسَألتُه عن المرأةِ تَطوفُ بالبيتِ يومَ النَّحرِ"، أي: تَطوفُ طوافَ الإفاضةِ، "ثمَّ تَحيضُ"، أي: ثمَّ يَأتيها الحيضُ فيَرفَعُ طَهارتَها، فقال له عُمرُ رَضِي اللهُ عَنه: "لِيَكُنْ آخِرُ عَهدِها بالبيتِ"، أي: يَكونُ آخِرُ مَناسِكِها طَوافَ الوَداعِ، فقال الحارثُ: "كذلك أَفْتاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال بمِثْلِ ما قُلتُ، فقال عُمرُ: "أَرِبْتَ عن يدَيْك"، وهو دُعاءٌ علَيه بأن تَسقُطَ عنه أعضاؤُه، وليس المرادُ حَقيقةَ الدُّعاءِ، ولكنَّ هذا مِن عادةِ العرَبِ واستَعمَله لِزَجرِه، "سأَلْتَني عن شيءٍ سأَلْتُ عنه رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ لكَيْ ما أُخالِفَ!"، أي: تُريدُني أن أُخالِفَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم!
قيل: إنَّ هذا على سَبيلِ الاختِيارِ إذا كان للحائِضِ سَعَةٌ مِن الوقتِ، أمَّا إذا أعجَلَها المسيرُ كان لها أن تَنفِرَ مِن غيرِ أن تَطوفَ طَوافَ الوَداعِ.

وقد نسخ هذا الحديث بما روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرخصة لهن في ترك الطواف، وذلك من حديث ابن عباس، وقد سلف برقم (1990) ، ومن حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد سلف برقم (5765) .
قال السندي: قوله: لكني ما أخالف، أي: قصدت أن أخالِفَ، لكني ما خالفتُ.

الخميس، 5 مارس 2020

لا تُغزَى هذِهِ بعدَ اليومِ إلى يومِ القيامةِ

عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بَرْصَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، يَقُولُ: " لَا يُغْزَى هَذَا - يَعْنِي - بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
المسند (15404) قال الشيخ شعيب :  حديث حسن 
أخرجه الترمذي (1611) صححه الألباني 

"لا تُغزَى"، أي: لا يُقاتَلُ فيها، والنَّفيُ هنا إمَّا إخبارٌ، أو نهْيٌ عن ذلك بمَعنَى: لا تَغْزُوا "هذه"، أي: مكَّةُ، "بعدَ اليومِ إلى يومِ القِيامةِ"، فقيل: المرادُ لا يَغزُوها الكفَّارُ بعدَ الفتْحِ، فترجِعَ دارَ كفْرٍ بذلك؛ ولذا لا يَدخُلُ في هذا الحديثِ ما حدَث مِن قِتالِ المسلِمين فيها أيَّامَ واقِعةِ ابنِ الزُّبَيرِ والحَجَّاجِ وغيرِها.


 قال السندي: قوله: "لا يغزى هذا"، أي: البيت، بمعنى: لا يحل لأحد غزو أهله، والمراد أنه حَرَمٌ لا يحل لأحد غزو أهله، أو المراد بيان بقائهم على الإيمان إلى القيامة، وعدم ارتدادهم حتى يحل غزوهم، فلا ينافي ما وقع في زمن يزيد وغيره من الحروب ظلماً، والله تعالى أعلم.

الثلاثاء، 3 مارس 2020

من كتاب العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير اليماني
ولما انقطع الإمام محمد بنُ إبراهيم الوزير للكتاب والسنة، واشتغل بعلومهما، وامتلأت جوانِحُه بحُبِّهما أنشأ سنة 808 قصيدة دالية طويلة يفخر ويعتز بتمسكه بهما وحدَهما، وبحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
ظَلت عَواذِلُه تَروح وَتَغْتدي ... وَتعيد تعنِيفَ المُحِبِّ وتَبْتَدِي
واللوْمُ لَا يَثني المحِبَّ عَنِ الهَوَى ... ويَزيدُ تَوليعَ الفُؤَادِ المُعمَدِ
إنَّ المُحِبَّ عن المَلامَةِ في الهوَى ... في شَاغِل لولا اللوائِمُ يَغْتَدي
ألهى المُحِبَّ عن الملام وَصَدِّه ... بينَ الجوَانِحِ لوعَةٌ لم تَبْردِ
وَخُفوقُ قلْبٍ لا يقرُّ قَرَارُه ... وسُفُوحُ دمعٍ صَوْبُه لَمْ يَجْمَدِ
قُلْ للعذُولِ: أفِقْ فلسْت بمُنتَهٍ ... عَنْ حُبِّ أكمَل مَنْ تحلى فابعَدِ
لو لُمتنِي في الغَوْر لَمْ أشتقْ إلى ... شطيهِ أو في نَجْدِهِمْ لَم أُنجِدِ
أوْ كان لَوْمُكَ في التصَابِي مَا صَبا ... قَلبي، ولا غلبَ الغَرَام تجلدِي
أو لمْتَنِي في اللهو لَم أطْرب إلى ... نغمِ الغناءِ مِن الغَرِيضِ ومَعْبدِ
أوْ لُمْتني في المَال لَم يَسْتَهْوني ... نظَرُ اللُّجَيْنِ ؤلاَ نُضَار العسْجَد
أوْ لُمْتنِي فِي غَيْرِ حُبَّ مُحَمدٍ ... لَحَسبْتَ أنكَ بالنصِيحَة مُرْشِدِي
أو لَو أريت مَحَبة مثلاً لَهُ ... لِلمُهتدِي والمُرْتَجي والمُجْتدي
يهْديه أوْ يُجْديه أو يُغنِيه عَنْ ... نُور الرسُولِ الصادعِ المُتوقدِ
هَيهات ما ابْتهج الوُجودُ بِمثلِهِ ... فَدعِ اللجاجَ فَمِثلُه لمْ يُوجَدِ
يَا صَاحبى على الصبابَة في الهَوى ... منْ مِنْكُمَا في حُب أحْمد مُسْعِدِي؟
حَسبِي بأني قدْ شُهِرتُ بحُبِّهِ ... شَرَفاً بِبُرْدَتِه الجَميلة أرتدِي
لِي باسْمِه وَبِحُبهِ وبقُرْبِهِ ... ذِمَمٌ عظَامٌ قَدْ شَدَدْتُ بها يدي
وَمحمد أوْفى الخَلائقِ ذمةً ... فلْتَبْلُغَنَّ بِي الأمانِي في غَدِ
يا قلْبُ لا تَسْتبعِدَنَّ لقَاءَه ... ثِقْ باللقَاءِ وبالْوَفَا فكَأنْ قدِ
يا حَبذَا يَوْمُ القيامَة شُهْرتي ... بيْنَ الخلائق في المَقَام الأحْمَدِ
بِمَحَبتي سُنَنَ الرسُولِ وإنَّني ... فيهَا عَصَيْتُ مُعَنِّفِي ومُفَندي
وَتركْت فيهَا جِيرَتِي وَعشيرَتي ... ومَحَل أترَابِي وَموضِع مولدِي
فَلأَشكُوَن علَيه شكوى موجِعٍ ... مُتَظلًمٍ مُتَجرم مسْتنْجِدِ
مما لقيتُ مِنَ المتاعِبِ والأذَى ... في حبه من ظَالِمِي وحُسَّدي
وأقولُ: أنْجدْ صادِقاً في حُبه ... منْ يُنجِدُ المَظلُومَ إن لم يُنجدِ؟
إني أحِب محَمداً فَوْق الورى ... وَبِهِ كَمَا فَعلَ الأوائِلُ أقتَدِي
فقَدْ انْقَضَتْ خَيْرُ القُرونِ وَلمْ يَكنْ ... فِيهِم بغَيْرِ مُحَمد منْ يهْتدي
وأُحِب آلَ مُحَمدٍ نَفسي الفِدى ... لهُم فما أحدٌ كآل مُحمَّدِ
همْ بابُ حِطة والسفِينَةُ والهُدَى ... فِيهم، وهم للظالِمِينَ بِمَرْصدِ
وَهم النجومُ لِخير مُتعبدِ ... وهُمُ الرجُومُ لكل مَنْ لم يعبُدِ
وهمُ الأمانُ لِكُل مَنْ تَحْت السمَا ... وَجزَاءُ أحْمدَ ودهُمْ فتوددِ
والقَوْم والقرآنُ فاعرِفْ فضْلَهم ... ثَقَلانِ للثَّقلين نصُّ مُحَمدِ
وَلَهُم فَضائلُ لست أُحصِي عَدهَا ... منْ رَام عدَّ الشُّهبِ لم تَتعَدد
وَكَفى لَهُم شَرَفاً وَمَجْدَاً باذِخَاً ... شرعُ الصلاةِ لَهُم بكلِّ تشُّهدِ
سَنوا متَاَبعةَ النَّبي، وَلم يَكنْ ... لَهُمُ غرَام بِالمَذاهِبِ عَنْ يَدِ
قَدْ خَالَفُوا آباءهُمْ جهَراً وَلم ... يتقَيَّدُوا إلا بسنة أحْمَد
أو لَم يَشِعْ مَا بَين آلِ مُحمدٍ ... ذكرُ الخِلاف لِمُغْوِرِين ومُنْجِدِ
قَدْ خَالَفَ الهادي بنوهُ لصلْبهِ ... مَع قربهم كمُحَمدٍ وكأحمَد
والسيدَانِ على اتباعِ نصُوصِهِ ... قدْ خَالَفا ما نصَّه بتعَمدِ
بَلْ حرم الجُمْهُورُ مِنْ سادَاتهمْ ... تَقلِيد موْتَاهُم بِغَيْر تَردُّد
ذَا مَذْهَبُ الجمْهور فيما قَالَه ... يَحيى بنُ حَمزة وهوَ أوثقُ مُسندِ
وكذا ابن زيدٍ قال ذَاك وغيْره ... وهُو اختِيارُ الناطق المُتَشَددِ
واسْأل كتاب العِقدِ (1) عما قُلت والـ ... ـمجزي (2) وسائِلْ منْ بَدَا لَكَ وَانشُدِ
وانظُرْ إلى إنصَاف أهل البَيتِ لَم ... يَغْلُوا وَلَم يتعَصبُوا في مَقصدِ
بَلْ خالَفُوا آباءَهُمْ وَتَبَينوا ... وَجْه الصوابِ تَحَرياً لِلأرشَدِ
وَأنا اقتَدَيتُ بهم فأنكر قُدْوتِي ... من طُغمة (3) الغوغاءِ كُل مُبلَّد
قَالوا: نقَلدُهمْ وإنْ مَاتُوا عَلَى ... رأي المؤيدِ ذِي العُلُوم الأوحدِ
قلنا لهم: لَسنا نَعيبُ عَلَيْكُمُ ... مَنْ قلَّدَ الأموَاتَ فَهْوَ مؤَيَّدُ

همْ قَلدُوهمْ واقتَديتُ بهِمْ وَكَمْ ... بَينَ المُقَلد فِي الهَوَى والمُقتدِي؟
مَنْ قَلَّدَ النُّعمانَ أمْسَى شَارباً ... لمُثَلَّثٍ نَجِسٍ خَبِيثٍ مُزبِدِ
وَلَوِ اقْتَدَى بأبي حنيفَةَ لَم يكُن ... إلاَّ إماماً خاشعاً في المَسْجِدِ
ومَنِ اهتدَى فَقدِ اهْتدَى نصاً وإجـ ... ـماعاً وليسَ كذاك من لم يَقْتَدِ
والكُل مُخْتَارٌ لأِقوَم منهَجٍ ... فِيمَا تَحراة وأعذب مورِد
والكُلُّ إخْوانٌ وَدِينٌ وَاحِدٌ ... كُلٌّ مُصِيب في الفُرُوع وَمُهتَدِي
هذي الفرُوع وفي الأصُولِ عَقِيدتي ... مَا لا يُخَالِفُ فيهِ كُلُّ مُوَحِّدِ
دِيني كأهلِ البيت ديناً قيماً ... متَنَزَّهاً عَنْ كلِّ مُعتَقدٍ رَدِي
لكننِي أرضى العتِيقَ (1) وأحتمي ... مِن كلِّ قولٍ حَادِثٍ متَجَددِ
إنَّ السَّلامةَ في العَتِيقِ وإنَّهُ ... كَالشمسِ واضِحةً لِعَينِ المُهتدِي
وَيشُكُّ فيه ذوو الجهالَةِ والعَمَى ... والشمسُ لا تَبدُو لِعَينِ الأرمَدِ
ويصد عَنهُ منْ يصعد (2) فِكرَهُ ... في الغَامِضاتِ وعِلمِ كُلِّ مُسوَّدِ
ما كان للإسلام وقت مُحَمدٍ ... دَرْس سِوَى القُرآن لِلمُتَعَبِّدِ
وَدَعَائِمُ الإسلام كانَت وَقته ... خَمساً يُعَدِّدُها لِكُلِّ مُشهدِ
فَلأيِّ شيءٍ كان من لم يَعْتَمِدْ ... دَرْسَ الأدِلَّة كافِراً كَالمُلحِدِ
مَا عِندهمْ فِي كلِّ برٍ عَابِدٍ ... مُتألِّهٍ متَفَرِّدٍ متجَرِّدِ
لا يعرفُ الأعرَاض لا لَفظاً ولا ... مَعنى يُكفِّرُ كالذي لَم يسْجُدِ؟
كلاَّ، وَرَبِّ مُحمد مَا دِينهُ ... يَقْضِي بِكُفْر التائِب المتَهجِّدِ
إلا الذي تَركَ الشرَائِع جَاحِداً ... لِلدِّينِ كالمُرْتَدِّ والمُتَهَوِّدِ
قَالوا: الأدِلَّة لَيس تخْفَى جُمْلَةً ... قُلْنَا لَهُم: ذا قَوْل مَنْ لَم يَنْقُدِ

إنْ كانَ لِلإسْلام عَشرُ دَعَائِمٍ ... فانقُصْ مِنَ العَشرِ الدَّعَائِم أوْ زدِ
تَجِدِ الزِّيَادَة في الدَّلِيلِ مُحَالَةً ... والنَّقص لِلبُرهَانِ أعظمُ مُفسِدِ
يا لائِمي في مذْهَبي باللهِ قُلْ ... لِم زِدتَ فِي الإسلام مَا لَم يُعهَدِ
ما لِلسنينَ قَضَت ولَم ينْطِق بِذَا ... خيرُ البَرِيِّةِ مَرةً فَي مَشهَدِ؟
أوَ لَم يكنْ أوْلَى بِتَبيينِ الهُدَى ... وَالمُشكِلاتِ ِلأَحْمَرٍ ولأسْودِ
مَا كان أحْمَدُ في المِرا مُتَدَرِّباً ... كلاَّ، وَلا للمُشكِلاتِ بِمُورِدِ
بَلْ كَان يَأمُرُ بِالجِهَادِ لكُلِّ مَنْ ... جَحَدَ الدليل وكُلِّ بَاغٍ مُعْتدِ
حتى اسْتَقَامَ الدِّينُ وانتعَشَ الهُدَى ... بالمَشْرَفِيةِ والقَنَا المتَقَصدِ
قَامَت شَرِيعَتُهُ لِكلِّ مُجَرّبٍ ... ماضِي المَضارِب لا يَكِلُّ مُجَلّدِ
وكذَاكَ أهلُ البيت مَا زَالُوا علَى ... منهَاجِه مِنْ قَائِمٍ أوْ سيِّدِ
واقْرَ المُهَذبَ تَلْقَ ما أطْلَقتُهُ ... قَدْ نَصَّهُ المَنصُورُ (1) غَيْرَ مُقَيَّدِ
وَاقْرَأ كِتَابَ الجَامع الكَافِي (2) عَلَى ... نَهْجِ الأوائِل إنَّه يُروِي الصَّدِي
إذ لَم يَكنْ سَلفٌ سِوَى أرْبابِهِ ... لِلمُدَّعِي لِولاَءِ عِتْرةِ أحْمَدِ
وَكذلِكَ الرسِيُّ دَانَ وإنَّهُ ... هُو فِي نُجُومِ الآل مِثلُ الفَرْقَدِ
وَكذَا المُؤَيَّدُ (3) قال ذَاك مُصَرِّحاً ... وَأرى ابْنَ حمْزَةَ فيهِ لَمْ يَتَردَّدِ
وَكذاكَ يحيى (4) نَجْمُ آلِ مُفَضَّلِ ... أعني ابْنَ منْضورٍ كَرِيم المَحْتدِ
قدْ قَال ذاكَ ولمْ يَزلْ بلزُومهِ ... يُوصِي، وَمِن شِعْرٍ لَهُ في المَقْصِدِ
يَكْفِيكَ مِنْ جِهَةِ العقِيدَةِ مُسْلِمٌ ... وَمن الإضافةِ حَيْدَرِيٌّ أحْمَدِي
وكَذاكَ شَيَّدَ ذَا سُلالَةُ قَاسِمِ ... يحيى الأخير الحِبْرُ أي مُشَيّدِ
وكذا إبنُ زيدٍ (5) في المَحَجَّةِ نَصُّه ... رأسُ التشيعِ قدوةُ المسترشِدِ

وإمام (1) بغداد تَوَدَّدَ أَنَّهُ ... لَم يَعرِفِ التدقِيقَ أيَّ تَوَدُّدِ
وابنُ الخَطِيب (2) وَحُجَّة الإسلامِ (3) قَدْ ... خَمَدَا وَنَارُ ذَكاهُمَا لَمْ تَخْمُدِ
تَابَا وَلكنْ بَعدَ أَن سَلاَّ عَلَى الـ ... إسلامِ سيفاً مَا أرَاهُ يُغْمَدِ
وَبِذَا اكْتَفَى آلُ الرسُولِ ومَنْ ثَوَى ... عنْد الحَجونِ وفي بقِيعِ الغَرْقَدِ
وَكذَا الصحَابَةُ والذِينَ يَلُونَهُمْ ... سَلْ كُل تارِيخٍ بذَاكَ وَمُسْنَدِ
وَكذَلِكَ الفقَهَاءُ قالوا وَامتحِنْ ... قَوْلي وسَل كُتُبَ الترَاجِمِ وانْقُدِ
مَا كنْتُ بِدْعاً في الذِي قَدْ قُلتُهُ ... يا لائمي فَدَعِ الغَوَاية تَرْشُدِ
وإذَا أبَيْتَ وكُنتَ لا تَدري فقُمْ ... عنْ مَجْلِسِ العُلَمَا وَقِفْ بِالمِربَدِ
فَلأجْهَرَنَّ بِما عَلِمتُ فإنْ أعِشْ ... أنصَحْ وإن أقضِي فغَيرُ مُخَلَّدِ
هذَا ومَا اختَرْت العتيق لِحيرتي ... في الغَامِضَاتِ، ولا لِفَرْطِ تَبلُّدِ
فأنَا الذِي أفْنَيتُ شرْخَ شَبيبَتِي ... في بَحثِ كُلِّ مُحَقق وَمُجَوِّدِ
والإفتِخَارُ مَذَمَّةٌ منِّي فسَلْ ... عَنِي المَشَايخَ فَالمَشَايِخُ شُهَّدِي
وإذَا أتتْكَ مَذمتِي مِنْ نَاقِصٍ ... فَافهم فَتِلكَ كنَايَةُ عَنْ سُؤدُدي
وإذَا شككتَ بأنَّ تِلك فَضِيلةٌ ... فاسْتَقْرِ -وَيْحَكَ- وَصفَ كُلِّ مُحَسَّدِ
فلِحُسَّدِي مَا في الضَّمَائِر مِنهُمُ ... أبَداً وَلي مَا هُمْ عَلَيهِ حُسَّدِي

__________
(1) أبو القاسم البلخي.
(2) الإمام الرازي.
(3) الإمام الغزالي.

__________
(1) هو عبد الله بن حمزة.
(2) هو لمحمد بن علي العلوي.
(3) المؤيد الهاروني.
(4) يحيى بن منصور من اعلام آل الوزير.
(5) القاضي عبد الله بن زيد العنسي المتوفي سنة 667.
__________
(1) المراد بالعتيق هنا أقوال أهل البيت المتقدمة على ما تضمنه (الجامع الكافي) والله أعلم. طبقات الزيدية ليحيى بن الحسين.
(2) هكذا وردت الكلمة وفي نسخة يضغد.


__________
(1) هو ليحيى القرشي.
(2) هو للسيد أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني.
(3) هكذا وردت الكلمة في الأصل وفي نسخة ضمخة.

الاثنين، 2 مارس 2020

إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ بَعْدَ الزَّوَالِ

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعًا، وَيَقُولُ: " إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ، فَأُحِبُّ أَنْ أُقَدِّمَ فِيهَا عَمَلًا صَالِحًا "

المسند (15396) صححه شعيب وصححه الألباني في الصحيحة (3404) حسنه ابن حجر في الافكار


- وجاء في صحيح الجامع (1532)عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعا : 

 إنَّ أبوابَ السماءِ تُفْتحُ إلى زوالِ الشمسِ ، فلا تُرْتَجُ حتى يُصلَّى الظهرُ ، فأحبُّ أن يُصعدَ لي فيها خيرٌ

- وفي رواية ان الصلاة بدون فاصل حسنه لغيرها شعيب وضعفها الذهبي في المهذب وضعفها الألباني (اي الزيادة )كما في الضعيفة 6727 ، فقد جاء في المسند (23532) : عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَدْمَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّكَعَاتُ الَّتِي أَرَاكَ قَدْ أَدْمَنْتَهَا قَالَ: " إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، فَلَا تُرْتَجُ حَتَّى يُصَلَّى الظُّهْرُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا خَيْرٌ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ تَقْرَأُ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ؟ قَالَ: قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: قُلْتُ: فَفِيهَا سَلَامٌ فَاصِلٌ؟ قَالَ: " لَا " 

قال السندي: "أدمَن" أي: واظَبَ أربع ركعات، لا يَبعُد أن تكون هي سنَّة الظهر.
"فلا تُرتَجُ" على بناء المفعول، من الإرتاج، بتخفيف الجيم، أي: فلا تُغلق.

- وعند النسائي عن  أم حبيبة أم المؤمنين من صلى أربعا ، قبل الظهر ، وأربعا بعدها ، لم تمسه النار
صححه الألباني 

- وفي المسند عنها ايضا 
لما نزل بعنبسة بن أبي سفيان الموت، اشتد جزعه، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أما إني سمعت أم حبيبة، يعني أخته، تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى أربعا قبل الظهر، وأربعا بعدها، حرم الله لحمه على النار. فما تركتهن منذ سمعتهن.
صححه الشيخ شعيب 26764 

- وفي المسند 650 : 
عن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا عليا، عن تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار، فقال: إنكم لا تطيقونه. قال: قلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما أطقنا. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر أمهل، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة العصر من هاهنا من قبل المغرب، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا -يعني من قبل المشرق- مقدارها من صلاة الظهر من هاهنا -يعني من قبل المغرب- قام فصلى أربعا، وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعا قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين، والمسلمين، قال: قال علي: تلك ست عشرة ركعة، تطوع النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار، وقل من يداوم عليها. حدثنا وكيع، عن أبيه، قال: قال: حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاق حين حدثه: يا أبا إسحاق، يسوى حديثك هذا ملء مسجدك ذهبا. 
صححه شعيب بقوله إسناد قوي ، صححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه وفيه شاهد 
يفصل بين كل ركعتين بالتسليم 

هُمَا المَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا

أخرج البخاري 1594 : عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلاَ بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ». قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلاَ، قَالَ: «هُمَا المَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا»

- قال السندي: قوله: صفراء: أي: الذهب، ولا بيضاء: أي: الفضة.
قوله: لم يفعلا ذلك: استدل بتركه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وترك أبي بكر رضي الله تعالى عنه التعرض لمال الكعبة مع علمهما به وحاجتهما إليه، على أنه لا يجوز إخراجه والتعرض له، ووافقه عمرُ رضي الله تعالى عنه على ذلك، لكن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُراعي حدثان عَهْدِهم بالجاهلية، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه لم يتفرَّغ لأمثال هذه الأمور، وقد جاء في مسلم [ (1333) (400) ] أن عائشة قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "لولا أن قومك حديثو عهدٍ بجاهلية- أو قال: بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ... " الحديث.

قال الحافظ في "الفتح" 3/457: وعلى هذا، فإنفاقه جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال سبب الامتناع.

الجمعة، 28 فبراير 2020

حُسنُ مُراعاةِ الإمامِ والحاكمِ لِرَعيَّتِه، واختيارُ الأنسَبِ لكلِّ عملٍ والرفق بالشباب

عن أبي محذورة سمرة بن معير : 
لمَّا خَرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مِن حُنَيْنٍ ، خرجتُ عاشرَ عشرةٍ من أَهْلِ مَكَّةَ نطلبُهُم ، فسمِعناهم يؤذِّنونَ بالصَّلاةِ فقُمنا نؤذِّنُ نستَهْزئُ بِهِم ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : قد سَمِعْتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسَنِ الصَّوتِ . فأرسَلَ إلَينا ، فأذَّنَّا رجلٌ رجلٌ وَكُنتُ آخرَهُم ، فقالَ حينَ أذَّنتُ : تعالَ . فأجلسَني بينَ يديهِ ، فمَسحَ على ناصيتي وبرَّكَ عليَّ ثلاثَ مرَّاتٍ ، ثمَّ قالَ : اذهَب فأذِّن عندَ البيتِ الحرامِ . قلتُ كيفَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ فَعلَّمَني كما تؤذِّنونَ الآنَ بِها : اللَّهُ أَكْبرُ . اللَّهُ أَكْبرُ . اللَّهُ أَكْبرُ . اللَّهُ أَكْبرُ . أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ ، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ . أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ . أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ . حيَّ على الصَّلاةِ ، حيَّ على الصَّلاةِ . حيَّ على الفلاحِ . حيَّ على الفلاحِ . الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّومِ الصَّلاةُ خيرٌ منَ النَّومِ في الأولى منَ الصُّبحِ . قالَ : وعلَّمَني الإقامةَ مرَّتينِ : اللَّهُ أَكْبرُ . اللَّهُ أَكْبرُ أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أشهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ ، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ ثُمَّ حيَّ على الصَّلاةِ ، حيَّ على الصَّلاةِ ، حيَّ على الفلاحِ ، حيَّ على الفلاحِ ، قد قامَتِ الصَّلاةُ ، قد قامتِ الصَّلاةُ ، اللَّهُ أَكْبرُ . اللَّهُ أَكْبرُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ 
سنن النسائي (632 )، قال الألباني: صحيح، صحيح أبي داود (516) //، المشكاة (644) 
وصححه لغيره العلامة شعيب في سنن الدارقطني ، ونحوه في المسند 15376 باختلاف يسير


- وجاء عند ابن حبان (1680) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَيْرِيزٍ، أَخْبَرَهُ - وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي مَحْذُورَةَ حِينَ جَهَّزَهُ إِلَى الشَّامِ - 
لت لأبي محذورة : إني أريد أن أخرج إلى الشام وإني أسأل عن تأذينك فأخبرني قال : خرجت في نفر فكنا في بعض طريق حنين مقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا الصوت ونحن متنكبون على الطريق فصرخنا نستهزئ نحكيه فسمع الصوت فقال : ( أيكم يعرف هذا الذي أسمع الصوت ؟ ) قال : فجيء بنا فوقفنا بين يديه فقال : ( أيكم صاحب الصوت ) ؟ قال : فأشار القوم كلهم إلي قال : فأرسلهم وحبسني عنده ولا شيء أكره إلي مما يأمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بالأذان وألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي نفسه الأذان فقال : ( قل : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ) ثم قال : لي : ( ارجع وامدد صوتك ) قال : ( أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ) فلما فرغ من التأذين دعاني فأعطاني صرة فيها شيء من فضة وقال : ( اللهم بارك فيه وبارك عليه ) قال : فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين قال : ( قد أمرتك به ) قال : فعاد كل شيء من الكراهية في القلب إلى المحبة فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أؤذن بمكة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن جريج وأخبرني غير واحد من أهلي خبر ابن محيريز هذا عن أبي محذورة

قال الشيخ الألباني : صحيح - «صحيح أبي داود» (518).
قال الشيخ شعيب : إسناده حسن وهو حديث صحيح بطرقه

بشره بالجنة معها بلاء (عثمان) رضي الله عنه

أخرج البخاري في صحيحه : 
عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي موسى الأشعري قال:
 خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكوننَّ اليوم بوَّاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرني، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وقضى حاجته، وجلس على قُفِّ البئر، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فوقف فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله، أبو بكر يستأذن عليك، قال: (ائذن له وبشِّره بالجنة). فدخل، فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء عمر فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ائذن له وبشره بالجنة). فجاء عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه فدلاهما في البئر، فامتلأ القُفُّ، فلم يكن فيه مجلس، ثم جاء عثمان فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ائذن له وبشره بالجنة، معها بلاء يصيبه). فدخل فلم يجد معهم مجلساً، فتحوَّل حتى جاء مقابلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر، فجعلت أتمنَّى أخاً لي، وأدعو الله أن يأتي.
قال ابن المسيَّب: فتأوَّلت ذلك قبورهم، اجتمعت ها هنا، وانفرد عثمان.

عُثمان رضي اللَّه عنه بُشِّرَ بِالجَنَّةِ عَلَى بَلوَى تُصيبُه، وهيَ البَليَّةُ الَّتي صارَ بِها شَهيدَ الدَّارِ مِن أذَى المُحاصَرةِ والقَتلِ وغيرِه، ولَمَّا دَخَلَ على النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وَجَدَ القُفَّ قَد مُلِئَ، فَجَلَسَ مُقابِلَ النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مِن الشِّقِّ الآخَرِ. قال شَريكٌ: قال سَعيدُ بن المُسَيِّبِ: فأوَّلْتُها قُبورَهُم.
في الحديث: وُقوعُ التَّأويلِ في اليَقَظةِ، وهو الَّذي يُسَمَّى الفِراسَةَ، والمُرادُ اجتِماعُ الصَّاحِبَينِ مع النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في الدَّفنِ، وانفِرادُ عُثمانَ عَنهُم في البَقيعِ

من سعادةِ المرءِ

جاء في المسند (15372) عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ " 

قال الشيخ شعيب : حديث صحيح لغيره، وهذا سند حسن في الشواهد 
وصححه الألباني في الأدب المفرد ، وصححه لغيره في الترغيب 

- وجاء في الترغيب عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : 
من سعادةِ ابنِ آدمَ ثلاثةٌ ، ومن شِقوةِ ابنِ آدمَ ثلاثةٌ : من سعادة ابنِ آدمَ المرأةُ الصالحةُ ، والمسكنُ الصالحُ ، والمركبُ الصالحُ ، ومن شِقوةِ ابنِ آدمَ المرأةُ السوءُ ، والمسكنُ السُّوءُ ، والمركبُ السُّوءُ .
صححه لغيره الألباني وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح ، وصححه شعيب في مسند سعد في المسند 1445


- وفي الصحيحة 282 : 
أربعٌ مِنَ السَّعادَةِ: المرأةُ الصَّالِحَةُ ، و المَسْكَنُ الوَاسِعُ ، و الجَارُ الصَّالِحُ ، والمَرْكَبُ الهَنِيءُ، وأربعٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ : الجَارُ السُّوءُ ، والمرأةُ السُّوءُ ، و المَرْكَبُ السُّوءُ و المَسْكَنُ الضِّيقُ 

- قال السندي: قوله: "الجار الصالح": الذي يحثه قولاً وفعلاً على الذكر والتقوى، ويوقظه من سِنَةِ الغفلة والهوى.
قوله: "الهنيء": الموافق في سبيل الله، لا يؤخره عن الرفقاء.
قوله: "الواسع": الذي يشرح فيه الصدر ولا يضيق، فإن ضيق الصدر يمنع عن الخيرات.


ولِهذِه الأشياءِ أهميَّةٌ عُظمَى، ولها أثَرٌ كَبيرٌ في حَياةِ الإنسانِ، فإنْ كانتِ المَرأةُ مُلائِمةً لِزَوجِها خُلُقًا، مُتَفاهِمةً معه، مُخلِصةً له، مُطِيعةً وَفِيَّةً، وكانتِ الدَّارُ صِحِّيَّةً واسِعةً مُناسِبةً له ولِأُسرتِه، وكانتِ الفَرَسُ أوِ السَّيَّارةُ التي يَركَبُها قَوِيَّةً مُرِيحَةً؛ وكان الجارُ صالِحًا، ارتَاحَ الإنسانُ في حياتِه، وشَعَرَ بالسَّعادةِ، وأحَسَّ بالاطمِئنانِ والاستِقرارِ النَّفْسِيِّ، وأمَّا إذا كانتِ الزَّوجةُ غَيرَ صالِحةٍ، أوِ الدَّارُ غَيرَ مُناسِبةٍ، أو الفَرَسُ أوِ السَّيَّارَةُ غَيرَ مُريحةٍ؛ والجارُ غَيرَ صالِحٍ، فإنَّ الإنسانَ يَشعُرُ بالتَّعاسَةِ والقَلَقِ، ويَتعَبُ تَعَبًا جِسمِيًّا ونَفْسِيًّا معًا .

الثلاثاء، 25 فبراير 2020

استِجابَةُ الصحابة للنصحية وسُرعَةُ أخْذِهم بها وقيامُهم بما تضمَّنَتْه الإسلام جاء لنشر الرحمة بين الخلق

اخرج مسلم (2613) عن عروة بن الزبير  قال : مر هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام، قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. وزاد في حديث جرير: قال وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين فدخل عليه فحدثه، فأمر بهم فخلوا. 
والحديث في المسند (15330)
في هذا الحديثِ أنَّ هِشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حِزامٍ رضِي اللهُ عنهما مرَّ على أُناسٍ منَ الأَنباطِ بالشَّامِ، "والأَنباطُ" هُم قومٌ منَ العَربِ، دَخلوا في العَجمِ والرُّومِ، واختَلَطَت أَنسابُهم، وفَسَدَت أَلسنَتُهم؛ سُمُّوا بذلِكَ لِمعرفَتِهم بأَنباطِ الماءِ واستِخراجِه؛ لكَثرةِ مُعالجتِهمُ الفِلاحةَ، قد أُقيموا، أي: أُوقِفوا، في الشَّمسِ؛ فسأَلَ ما شَأنُهم، أي: أَمرُهم؟ فأَجابوه: حُبِسوا في الجِزيةِ، أي: مِن أَجلِها وبِسببِها، أي: في تَحصيلِها وأَدائِها؛ فَقالَ هِشامٌ أَشهَدُ لَسمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَقولُ: إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الَّذين يُعذِّبونَ النَّاسَ، أي: بِما يعُذِّبُ اللهُ بِه في العُقبَى؛ في الدُّنيا، أي: ظُلمًا بغَيرِ حقٍّ؛ وفي رِوايةٍ: وأَميرُهم يَومئذٍ عُميرُ بنُ سعدٍ عَلى فَلسطِينَ، فدَخَل عليه هِشامُ بنُ حَكيمٍ رضي اللهُ عنه، فحَدَّثه فأَمَر بِهم فخُلُّوا، أي: تَرَكَهم.
في الحديثِ: النَّهيُ عنْ تَعذيبِ النَّاسِ حتَّى الكُفَّارِ بغيرِ مُوجبٍ شَرعيٍّ.
وفيهِ: فَضلُ هِشامِ بنِ حَكيمٍ رضِي اللهُ عنه.
وفيه: استِجابَةُ الوُلاةِ لنَصيحَةِ العُلماءِ، وسُرعَةُ أخْذِهم بها وقيامُهم بما تضمَّنَتْه. منقول من الدرر 


قال السندي: هو هشام بن حكيم بن حِزام بن خُويلد القرشي الأسدي، [أسلم عام الفتحٍ] ، وهو الذي وجده عمر يقرأ الفرقان على غير ما قرأها عمر فَلَبَّبَهُ بردائه، ثم استقرأه النبي واستقرأ عمر، وصوبهما، وقال: "نزل القرآن على سبعة أحرف".
قال الزهري: وكان يأمر بالمعروف في رجال معه، مات قبل أبيه، وقال أبو نعيم: استشهد بأجنادين.


- قال السندي: قوله: قد أقيموا في الشمس: تعذيباً لهم في أخذ الجزية منهم.
قوله: من الخراج: أي الجزية.
قوله: يعذبون الناس: أي ولو كفرة، والمراد تعذيبهم بلا موجب شرعي، ومعلوم أن أخذ الجزية ليس موجباً لتعذيبهم شرعاً.
قوله: عمير بن سعد: هو الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، ولاه عمر حمص، وكان من الزهاد.

من أفضل الصدقات على ذي الرحم الذي يقطع الرحم

روى في المسند (15320): عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّدَقَاتِ، أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: " عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ " 
صححه العلامة شعيب وصححه العلامة الألباني من حديث  أم كلثوم بنت عقبة  كما في الترغيب 2535 وهو في صحيح الجامع ، واعله الوادعي في احاديث معلة ، صححه النووي في المجموع والهيثمي في المجمع 
وابن حجر في الإصابة قال مرسل 


-قال السندي: قوله: "على ذي الرَّحِم الكاشح"، أي: القاطع المعرض، كأنه يَصْرِفُ عئك كشحَه إعراضاً، وفي "النهاية": هو العدوُ الذي يُضمر عداوتَه ويطوي عليها كَشْحَه، أي: باطِنه. والكشحُ: الخَصْرُ.

الاثنين، 17 فبراير 2020

بأبي هو وأمي

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ: " أَمَا وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِ نُحْصِ الْجَبَلِ " يَعْنِي سَفْحَ الْجَبَلِ .

المسند : حسنه الشيخ شعيب وقال : 
إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن إسحاق- وهو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي- فهو صدوق حسن الحديث.
وأخرجه الحاكم 2/76 و3/28، وعنه البيهقي في "الدلائل" 3/304 من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد.
قال السندي: قوله: "إذا ذكر" يحتمل أنه على بناء الفاعل، والضمير له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو على بناء المفعول، أي: ذكر عند أصحاب أحد.
قوله: "أني غودرت" من المغادرة، وهي الترك، أي: ليتني تُركت مع قتلى أحد، وأُبقيت فيهم، أي: ليتني استشهدت معهم، وفي "النهاية" 3/343: المراد قتلى أحد أو غيرهم. وهو خلاف ظاهر الرواية كما لا يخفى. وفيه دلالة على زيادة شرف شهداء أحد من بين الشهداء، والله تعالى أعلم.

قال الهيثمي في المجمع : رجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع

هوان الدنيا على الله

روى مسلم (2957)  وغيره عن جابر بن عبدالله 
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا، كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله، من هذا عليكم. غير أن في حديث الثقفي: فلو كان حيا كان هذا السكك به عيبا.

-الأسك: هو مقطوع الأذنين أو صغيرهما.


الأربعاء، 12 فبراير 2020

الخروج من البلد التي بها وباء لا يجوز شرعا

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الطَّاعُونِ: " الْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَمَنْ صَبَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ "

رواه أحمد (14793) حسنه لغير محققوا المسند واخرجه البزار والطبري في ((تهذيب الآثار)) (93)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3193) باختلاف يسير. صححه لغيره العلامة الألباني في الترغيب 

- وعن  سعد بن أبي وقاص
 أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَكَرَ الوَجَعَ فَقالَ: رِجْزٌ، أوْ عَذَابٌ، عُذِّبَ به بَعْضُ الأُمَمِ، ثُمَّ بَقِيَ منه بَقِيَّةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ ويَأْتي الأُخْرَى، فمَن سَمِعَ به بأَرْضٍ فلا يُقْدِمَنَّ عليه، ومَن كانَ بأَرْضٍ وقَعَ بهَا فلا يَخْرُجْ فِرَارًا منه. 
صحيح البخاري 

جعَلَ اللهُ سُبحانَه الأمْراضَ والأوْبِئةَ من المُكفِّراتِ لذُنوبِ المُسلِمينَ الصابِرينَ المُحتَسِبينَ، ومع ذلك أقامَ الشَّرعُ قَواعِدَ الحِمايةِ الصِّحِّيةِ وأُسُسَها؛ حتى لا تَنتَشِرَ الأوْبِئةُ من مَكانٍ لآخَرَ، 

الشَّخصُ الذي يَمكُثُ في المَكانِ المُصابِ بوَباءِ الطَّاعونِ صابِرًا مُحتَسِبًا ثُمَّ يَموتُ به فله أجْرُ الشَّهيدِ، "والفَارُّ منها كالفارِّ من الزَّحْفِ"، بمَعْنى أنَّ الهارِبَ من مَكانِ الوَباءِ مع ظَنِّه أنْ يَفِرَّ من قَدَرِ اللهِ، وأنَّ هُروبَه سيُنْجيهِ فإنَّه يُشبِهُ الهارِبَ من أرضِ المَعرَكةِ ومن الحَرْبِ ضِدَّ الأعْداءِ، وهذه كَبيرةٌ من الكَبائِرِ ولا بُدَّ لها من تَوبَةٍ؛ لأنَّه قد يكونُ مُصابًا بالمَرَضِ فيَنقُلُه إلى مَكانٍ آخَرَ، ويَنشُرُ الوَباءَ فيَتَسبَّبُ في ضَرَرٍ بالِغٍ للنَّاسِ مع ما في ذلك من الهُروبِ من قَدَرِ اللهِ مع سُوءِ الظَّنِّ باللهِ سُبْحانَه، والتَّعلُّقِ بأسْبابِ الدُّنيا فقط.
وهكذا فإنَّ هذا التَّشريعَ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُقيمُ نِظامَ الحِمايَةِ والحَجْرِ الصِّحيِّ حتى لا يَنتَشِرَ الوَباءُ، ومع ذلك فقط جَعَلَ للصَّبْرِ والاحتِسابِ أجْرًا عَظيمًا كما حذَّرَ من الانتِقالِ من مَكانِ الوَباءِ فعالَجَ الموضوع من جِهَةِ الطِّبِّ، ومن جِهَةِ الوازِعِ الأخْلاقيِّ، وجَعَلَ الضَّميرَ الإنْسانيَّ مَسْؤولًا عن أفْعالِه.
وفي الحَديثِ: بَيانُ اهتِمامِ الشَّرعِ بحِمايةِ المُجتَمَعاتِ من الأوْبِئةِ.