الأحد، 20 أكتوبر 2019

. احمد الكاشف: نعوا يوم الخميس إليَّ خالي

نعوا يوم الخميس إليَّ خالي
فقلت مضت مصافاة الليالي
أبعدك يا عليُّ تطيب نفسي
بعالي منصبٍ وكثير مال
وهل يشفي تباريحي شراب
وقد أصبحت أشرق بالزلال
نهى الحدثان عن طربٍ فؤادي
ولهوٍ بالنديم وبالغزال
وردت ناظري صور المنايا
برهبتهن عن صور الجمال
وحالت بين قلبي والتمني
عظات فيه واسعة المجال
فلست براغب في عود دهري
ولا وعد الحبيبة بالوصال
رويداً خاليَ الماضي رويداً
فقد أزعجتني وشغلت بالي
مضيت وما رأيتك منذ دهر
تغير فيه حال بعد حال
وفاجأك المنون فلم تودع
ولم تنذر بهذا الانتقال
تركت مظاهر الدنيا قنوعاً
بحظك في الثمانين الطوال
وغادرت المآرب بعد زهد
وفارقت المنى بعد ابتذال
وكنت من الغمام أعمَّ خيراً
وأثبت في الخطوب من الجبال
وتمتلك الأحبة والأعادي
بأخلاق أرق من الشمال
وكنت إذا قضيت حكمت عدلاً
وأخرجت الحرام من الحلال
وأحسن من حيائك في شباب
وقارُك في مشيب واكتهال
وكنت أحب بعد أبي وأمي
إليَّ من الرفاق وكلِّ آلي
وكم لك من مقاصد ظاهرات
سعيت لها على الأسل النهال
وقد كنت المعين على صلاحي
ومرشديَ العظيم إلى الكمال
تعلمني الرماية والقوافي
وآداب الخطابة والجدال
وتلهمني المعاني باهرات
أسيل بهن كالسحر الحلال
وتوضح لي المسالك والمساعي
فأبلغ كل ممتنع المنال
وتشربني بعلمك حب ديني
وقومي والخليفة والهلال
فماذا لي تركت من الوصايا
ومحض النصح والحِكَم الغوالي
وهل أبقيت لي عزماً لأسعى
وقد أضحت مقيَّدةً رحالي
وهل أرجو لقاءك في حياتي
وقد صار اللقاء من المحال
وهل يسليك عني ما تلاقي
من الرضوان إني غير سال
سألتُ ولو سمعتَ رحمتَ حزني
ولكن أين سمعك من سؤالي
أطاع الدمعُ خطبَك وهو عاصٍ
وأرخصه رثاؤك وهو غال
يفيض كزاخرٍ ويثور صدري
وليس بمطفئٍ حرَّ اشتعالي
لئن أبكى عيوني فيك خطبي
فقد أبكى المكارمَ والمعالي
لك الفردوس تسكنها رضيّاً
بأجرك والتذكُّرُ والجوى لي

الثلاثاء، 7 مايو 2019

فضلٌ لأهلِ المدينةِ ومَنقبَةٌ باستِجابَتِهم وتَلْبيَتِهم لأوامرِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

قال تعالى :  وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( 1 ) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ( 2 ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ( 3 ) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 6 ) )


عن ابنِ عباسٍ قال : لما قدم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا فأنزل اللهُ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسِنُوا الكيلَ بعدَ ذلك 

رواه ابن ماجة والنسائي الكبرى وابن حبان وصححه الحافظ بالفتح وحسنه الألباني وشعيب  

الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون .. فهم الذين يتقاضون بضاعتهم وافية إذا كانوا شراة. ويعطونها للناس ناقصة إذا كانوا بائعين.. 

ثم تعجب الآيات الثلاثة التالية من أمر المطففين، الذين يتصرفون كأنه ليس هناك حساب على ما يكسبون في الحياة الدنيا وكأن ليس هناك موقف جامع بين يدي الله في يوم عظيم يتم فيه الحساب والجزاء أمام العالمين: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟ يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ .


وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ) الإسراء 35 وقال ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ) الأنعام 152 وقال ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) الرحمن : 9 وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان . 


& من تفسير ابن كثير والظلال بتصرف 

الأربعاء، 27 مارس 2019

الإسلام جعل حق للمولى على مولاه مثل الارحام

اخرج في المسند 20032 
 حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ، فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ هُوَ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَهُ "

حسنه  شعيب الأرناؤوط ، وحسنه الألباني في صحيح النسائي 2565 

- وفي رواية عند  الطبراني في " الكبير و الأوسط " عن جرير بن عبد الله عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : 
 ما من ذِي رَحِمٍ يأتي رحمَهُ فِيَسْأَلُهُ فَضْلا أعطاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَيَبْخَلُ عليهِ ، إلَّا أخَرَجَ لهُ يومَ القيامةِ من جهنمَ حَيَّةً يقالُ لها : شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ ، فَيُطَوَّقُ بِه 
السلسلة الصحيحة 2548


وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أنَّه لا يحِقُّ لرَجُلٍ أن يَمنَع ما زادَ عن حاجَتِه مِن مالٍ عمَّن تحتَه مِن عَبيدٍ ونحوِهم، ويُبيِّنُ عُقوبةَ مَن فعَلَ ذلك، فيقولُ: "لا يأتي رجلٌ مَولاه"، أي: سيِّدَه، "يَسأَلُه مِن فَضْلٍ عِندَه"، أي: ما زادَ عن حاجتِه، "فيَمنَعُه إيَّاه"، أي: لا يُعْطيه ممَّا فضَل بعدَ سُؤالِه له، "إلَّا دُعي له يومَ القِيامةِ"، أي: يُجازَى بذلك يومَ القيامةِ بأن يتَمثَّلَ له فَضْلُه الَّذي منَع "شُجاعٌ أقرَعُ" الشُّجاعُ هو نوعٌ مِن الحيَّاِتِ، وأقرَعُ صفةٌ لتلك الحيَّةِ، وهو ما ذهَب شعرُ رأسِه مِن السُّمِّ، "يتَلمَّظُ"، أي: تُحرِّكُ تلك الحيَّةُ لِسانَها وتُخرِجُه، "فَضْلَه الَّذي منَع"، أي: تلك الحيَّةُ الَّتي يُعذَّبُ بها هي فَضْلُه الَّذي منَعه عن سائلِه، تتمثَّلُ تلك الأموالُ على هذه الهيئةِ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
وفي الحديثِ: مُعاقبةُ البَخيلِ الَّذي منَع ما عليه إخراجُه مِن الأموالِ بنَفسِ تلك الأموالِ.
وفيه: ذمُّ مَنْعِ السَّائلِ لِمَا فضَل عن الحاجةِ .

الثلاثاء، 26 مارس 2019

تكريم الإسلام للمرأة

وإذا الموءودة سئلت: بأي ذنب قتلت؟ وقد كان من هوان النفس الإنسانية في الجاهلية أن انتشرت عادة وأد البنات خوف العار أو خوف الفقر. وحكى القرآن عن هذه العادة ما يسجل هذه الشناعة على الجاهلية، التي جاء الإسلام ليرفع العرب من وهدتها، ويرفع البشرية كلها. فقال في موضع: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به. أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون! .. وقال في موضع: وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا (أي البنات) ظل وجهه مسودا وهو كظيم. أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟.. وقال في موضع ثالث: 

ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .. 

وكان الوأد يتم في صورة قاسية. إذ كانت البنت تدفن حية! وكانوا يفتنون في هذا بشتى الطرق. فمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها! وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها. ثم يدفعها دفعا ويهيل التراب عليها! وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة محفورة. فإذا كان المولود بنتا رمت بها فيها وردمتها. وإن كان ابنا قامت به معها! وبعضهم كان إذا نوى ألا يئد الوليدة أمسكها مهينة إلى أن تقدر على الرعي، فيلبسها جبة من صوف أو شعر ويرسلها في البادية ترعى له إبله! 

فأما الذين لا يئدون البنات ولا يرسلونهن للرعي، فكانت لهم وسائل أخرى لإذاقتها الخسف والبخس.. كانت إذا تزوجت ومات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه. ومعنى هذا أن يمنعها من الناس فلا يتزوجها أحد ص: 3840 ] فإن أعجبته تزوجها، لا عبرة برغبتها هي ولا إرادتها! وإن لم تعجبه حبسها حتى تموت فيرثها. أو أن تفتدي نفسها منه بمال في هذه الحالة أو تلك.. وكان بعضهم يطلق المرأة ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد. إلا أن تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها.. وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا زوجته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها.. وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها، فيحبسها عن الزواج، رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها! أو يزوجها من ابنه الصغير طمعا في مالها أو جمالها.. 

فهذه كانت نظرة الجاهلية إلى المرأة على كل حال. حتى جاء الإسلام. يشنع بهذه العادات ويقبحها. وينهى عن الوأد ويغلظ فعلته. ويجعلها موضوعا من موضوعات الحساب يوم القيامة. يذكره في سياق هذا الهول الهائج المائج، كأنه حدث كوني من هذه الأحداث العظام. ويقول: إن الموءودة ستسأل عن وأدها.. فكيف بوائدها؟! 

وما كان يمكن أن تنبت كرامة المرأة من البيئة الجاهلية أبدا; لولا أن تتنزل بها شريعة الله ونهجه في كرامة البشرية كلها، وفي تكريم الإنسان: الذكر والأنثى; وفي رفعه إلى المكان اللائق بكائن يحمل نفخة من روح الله العلي الأعلى. فمن هذا المصدر انبثقت كرامة المرأة التي جاء بها الإسلام، لا من أي عامل من عوامل البيئة. 

وحين تحقق ميلاد الإنسان الجديد باستمداد القيم التي يتعامل بها من السماء لا من الأرض، تحققت للمرأة الكرامة، فلم يعد لضعفها وتكاليف حياتها المادية على أهلها وزن في تقويمها وتقديرها. لأن هذه ليست من قيم السماء ولا وزن لها في ميزانها. إنما الوزن للروح الإنساني الكريم المتصل بالله. وفي هذا يتساوى الذكر والأنثى. 

وحين تعد الدلائل على أن هذا الدين من عند الله، وأن الذي جاء به رسول أوحي إليه.. تعد هذه النقلة في مكانة المرأة إحدى هذه الدلائل التي لا تخطئ. حيث لم تكن توجد في البيئة أمارة واحدة ينتظر أن تنتهي بالمرأة; إلى هذه الكرامة ولا دافع واحد من دوافع البيئة وأحوالها الاقتصادية بصفة خاصة لولا أن نزل النهج الإلهي ليصنع هذا ابتداء بدافع غير دوافع الأرض كلها، وغير دوافع البيئة الجاهلية بصفة خاصة. فأنشأ وضع المرأة الجديد إنشاء، يتعلق بقيمة سماوية محضة وبميزان سماوي محض كذلك! 

الخميس، 28 فبراير 2019

الأَحْدَبُ الكَاتِبُ الْمُزَوِّرُ

الأَحْدَبُ الكَاتِبُ *

كَانَ بِبَغْدَادَ يُزَوِّرُ عَلَى الخُطُوطِ حَتَّى لاَ يَشُكَّ الشَّخْصُ أَنَّهُ خطُّ نَفْسِهِ.
قَرَّبَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَبَقِيَ يُوقِعُ بخطِّهِ بَيْنَ مُلُوْكٍ عَلَى حَسْبِ مَا يشتَهِي
مَاتَ: سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ بِبَغْدَادَ.
سير أعلام النبلاء ج 16
- اسمه - كما في مصادر الترجمة -: علي بن محمد الاحدب. ترجمته في: المنتظم: 7 / 111، الكامل لابن الأثير: 9 / 8 - 9، البداية والنهاية: 11 / 299
- في " الكامل ": وكان عضد الدولة إذا أراد الايقاع بين الملوك أمره أن يكتب على خط بعضهم إليه في الموافقة على من يريد إفساد الحال بينهما، ثم يتوصل ليصل المكتوب إليه، فيفسد الحال. 

الأحد، 13 يناير 2019

بهاء الدين زهير

دعوا الوشاة َ وما قالوا وما نقلوابيني وبينكمُ ما ليسَ ينفصلُ
لكمْ سرائرُ في قلبي مخبأة ٌلا الكتبُ تنفعني فيها ولا الرسلُ
رسائلُ الشوقِ عندي لوْ بعثتُ بهاإليكمُ لم تسعها الطرقُ والسبلُ
أُمسِي وَأُصبحُ وَالأشواقُ تَلعبُ بيكأنما أنا منها شاربٌ ثملُ
وَأستَلذّ نَسيماً من دِيارِكُمُكأنّ أنفاسَهُ من نَشرِكُمْ قُبَلُ
وكم أحملُ قلبي في محبتكمْما لَيسَ يَحمِلُهُ قلبٌ فَيحتَملُ
وكمْ أصبرهُ عنكمْ وأعذلهُوليسَ ينفعُ عندَ العاشقِ العذلُ
وا رحمتاهُ لصبًّ قلّ ناصرهُفيكمْ وضاقَ عليهِ السّهلُ وَالجبلُ
قضيتي في الهوى واللهِ مشكلة ٌما القولُ ما الرأيُ ما التدبيرُ ما العملُ
يَزْدادُ شعريَ حُسناً حينَ أذكرُكُمإنّ المليحة َ فيها يحسنُ الغزلُ
يا غائبينَ وفي قلبي أشاهدهموكلّما انفَصَلوا عن ناظري اتّصَلوا
قد جدّدَ البُعدُ قرْباً في الفؤاد لهمْحتى كأنهمُ يومَ النوى وصلوا
أنا الوفيُّ لأحبابي وإنْ غدرواأنا المقيمُ على عهدي وإن رحلوا
أنا المُحبّ الذي ما الغدرُ من شيَميهيهاتَ خُلقيَ عنهُ لَستُ أنتَقلُ
فَيا رَسُولي إلى مَنْ لا أبُوحُ بهِإنّ المُهِمّاتِ فيها يُعرَفُ الرّجلُ
بلغْ سلامي وبالغْ في الخطابِ لهُوقَبّلِ الأرْضَ عني عندَما تَصِلُ
بالله عَرّفْهُ حالي إنْ خَلَوْتَ بهِولا تُطِلْ فحَبيبي عندَهُ مَلَلُ
وتلكَ أعظمُ حاجاتي إليكَ فإنْتنجحْ فما خابَ فيك القصْدُ والأملُ
ولم أزلْ في أموري كلما عرضتْعلى اهتمامكَ بعدَ اللهِ أتكلُ
وليسَ عندكَ في أمرٍ تُحاوِلُهُوالحمد للهِ لا عجزٌ ولا كسلُ
فالنّاسُ بالنّاسِ وَالدّنيا مكافأة ٌوالخيرُ يذكرُ والأخبارُ تنتقلُ
وَالمَرْءُ يَحتالُ إن عزّتْ مَطالبُهُوربما نفعتْ أربابها الحيلُ
يا منْ كلامي له إن كانَ يسمعهيَجدْ كَلاماً على ما شاءَ يَشتَملُ
تَغَزّلاً تَخلُبُ الألْبابَ رِقّتُهُمضمونه حكمة ٌ غراءُ أوْ مثلُ
إنّ المليحة َ تغنيها ملاحتهالا سِيّما وَعَليها الحَلْيُ وَالحُلَلُ
دَعِ التّوَانيَ في أمْرٍ تَهُمّ بِهِفإنّ صرفَ الليالي سابقٌ عجلُ
ضَيّعتَ عمركَ فاحزَنْ إن فطِنتَ لهفالعُمرُ لا عِوَضٌ عنه وَلا بَدَلُ
سابقْ زمانكَ خوفاً منْ تقلبهِفكَمْ تَقَلّبَتِ الأيّامُ وَالدّوَلُ
وَاعزمْ متى شئتَ فالأوْقاتُ واحدة ٌلا الريثُ يدفعُ مقدوراً ولا العجلُ
لا تَرْقُبِ النّجمَ في أمرٍ تُحاوِلُهُ،فالله يَفعَلُ، لا جَديٌ وَلا حَمَلُ
مع السعادة ِ ما للنجمِ من أثرٍفلا يغركَ مريخٌ ولا زحلُ
الأمرُ أعظمُ والأفكارُ حائرة ٌوالشرعُ يصدقُ والإنسانُ يمتثلُ

الوشاة

 عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: الْقَوْمُ هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الْأَمِيرِ، قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»
صحيح مسلم : 159

وإنك لعلى خلق عظيم

قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 


سألت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : كان خلقه القرآن 

قال ابن كثير في التفسير : ومعنى هذا أنه ، عليه السلام ، صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له ، وخلقا تطبعه ، وترك طبعه الجبلي ، فمهما أمره القرآن فعله ، ومهما نهاه عنه تركه . هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم ، من الحياء ، والكرم والشجاعة ، والصفح ، والحلم ، وكل خلق جميل . كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال : خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي : " أف " قط ، ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ؟ وكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقا ، ولا مسست خزا ، ولا حريرا ، ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 

الأحد، 28 أكتوبر 2018

لماذا لا إله إلا الله قبل اي شيء ؟

القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عاما كاملة بمكة، يحدثه فيها عن قضية واحدة . قضية واحدة لا تتغير ، ولكن طريقة عرضها لا تكاد تتكرر،لقد كان يعالج القضية الأولى ، والقضية الكبرى ، والقضية الأساسية ، في هذا الدين الجديد ، قضية العقيدة ممثلة في قاعدتها الرئيسية . . الألوهية والعبودية ، وما بينهما من علاقة . 
لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله . . كان يقول له : من هو ؟ ومن أين جاء ; وكيف جاء ; ولماذا جاء ؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف ؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول ؟ ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك ؟ . . وكان يقول له : ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه ، والذي يحس أن وراءه غيبا يستشرفه ولا يراه ؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار ؟ من ذا يدبره ومن ذا يحوره ؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه ؟ . . وكان يقول له كذلك : كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ، ومع الكون أيضا ، وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد . 

وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود "الإنسان " . وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده ، على توالي الأزمان.
وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاما كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى . القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات . .ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة ، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان ، وأنها استقرت استقرارا مكينا ثابتا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان ، التي قدر الله لها أن يقوم هذا الدين عليها ; وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين .   

وأصحاب الدعوة إلى دين الله ، وإقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة ; خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة . . ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاما . . لتقرير هذه العقيدة ; ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها ، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها . . 


لقد شاء الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوة لها منذ اليوم الأول للرسالة . وأن يبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى خطواته في الدعوة ، بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ; وأن يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق ، ويعبدهم له دون سواه . 


ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب 


لقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين ، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب ; إنما هي في يد غيرهم من الأجناس ! 

بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم ، يحكمها أمراء من العرب من قبل الرومان . وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس يحكمها أمراء منالعرب من قبل الفرس . . وليس في أيدي العرب إلا الحجاز ونجد وما إليهما من الصحاري القاحلة ، التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك ! 

وكان في استطاعة - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق الأمين ; الذي حكمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود ، وارتضوا حكمه ، منذ خمسة عشر عاما ; والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبا . . كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائلالعرب ، التي أكلتها الثارات ، ومزقتها النزاعات ، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة ; الرومان في الشمال والفرس في الجنوب ; وإعلاء راية العربية والعروبة ; وإنشاء وحدة قوية في كل أرجاء الجزيرة . ولو دعا يومها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة - على الأرجح - بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاما في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة 

وربما قيل : إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان خليقا بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة ; وبعد أن يولوه فيهم القيادة والسيادة ; وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه . . أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه ، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه ! 

ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - هذا التوجيه ! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله : وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء ! 

لماذا ؟ إن الله - سبحانه - لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه . . إنما هو - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق . . ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي . . إلى يد طاغوت (العروبة والقبلية البغيضة) . . فالطاغوت كله طاغوت ! 

 ولأن الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة ، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله . 

وهذا هو الطريق . . 


وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين ، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا للثروة والعدالة

قلة قليلة تملك المال والتجارة ; وتتعامل بالربا فتضاعف تجارتها ومالها . وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع . . والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة ; وجماهير كثيفة ضائعة من المال والمجد جميعا ! 

وكان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعها راية اجتماعية ; وأن يثيرها حربا على طبقة الأشراف ; وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء ! 

ولو دعا يومها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الدعوة ، لانقسم المجتمع العربي صفين : الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة ، في وجه طغيان المال والشرف . بدلا من أن يقف المجتمع كله صفا في وجه : "لا إله إلا الله " التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس . 

وربما قيل : إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان خليقا بعد أن تستجيب له الكثرة ; وتوليه قيادها ; فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها . . أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه ، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه ! 

ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجهه هذا التوجيه . . 

قد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق . . كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل ; يرد الأمر كله لله ; ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع ، ومن تكافل بين الجميع ; ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أنه ينفذ نظاما يرضاه الله ; ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء . فلا تمتلئ قلوب بالطمع ، ولا تمتلئ قلوب بالحقد ، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا وبالتخويف والإرهاب ! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح ; كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير : "لا إله إلا الله " . . 


وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية . 

كان التظالم فاشيا في المجتمع ، تعبر عنه حكمة الشاعر زهير بن أبي سلمى 


ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ، ومن لا يظلم الناس يظلم
ويعبر عنه القول المتعارف : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما " . 

وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية ومن مفاخره كذلك ! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته . . كالذي يقوله طرفة بن العبد 
فلولا ثلاث هن من زينة الفتى     وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهـن سبقـي العاذلات بشربـة     كميـت متى ما تعل بالماء تزبــد 
.... إلخ 



وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا المجتمع 

كالذي روته عائشة رضي الله عنها : إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم : يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته ، فيصدقها ثم ينكحها . . والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا طهرت من طمثها - أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه . ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه . فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع . . ونكاح آخر : يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة ، كلهم يصيبها . فإذا حملت ووضعت ، ومر عليها ليال ، بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع ، حتى يجتمعوا عندها ، تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم ، وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل . والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن - فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها ، جمعوا لها ودعوا القافة ، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه ، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك . . . (أخرجه البخاري في كتاب النكاح ) . 

وكان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعلنها دعوة إصلاحية ، تتناول تقويم الأخلاق ، وتطهير المجتمع ، وتزكية النفوس ، وتعديل القيم والموازين . . 

وكان واجدا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسا طيبة ، يؤذيها هذا الدنس وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير . . 

وربما قال قائل : إنه لو صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة تتطهر أخلاقها ، وتزكو أرواحها ، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها . . بدلا من أن تثير دعوة أن لا إله إلا الله المعارضة القوية منذ أول الطريق ! 

 ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم ، لم يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى مثل هذا الطريق . . 


قد كان الله - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق ! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة ، تضع الموازين ، وتقرر القيم ; وتقرر السلطة التي ترتكن إليها هذه الموازين والقيم ; كما تقرر الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين . وأنه قبل تقرير تلك العقيدة تظل القيم كلها متأرجحة ; وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك ; بلا ضابط ، وبلا سلطان ، وبلا جزاء ! 

فلما تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة . . لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده . . لما تحرر الناس من سلطان العبيد ، ومن سلطان الشهوات سواء . . لما تقررت في القلوب : "لا إله إلا الله " . . صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون . . 

تطهرت الأرض من الرومان والفرس . . لا ليتقرر فيها سلطان العرب . . ولكن ليتقرر فيها سلطان الله . . لقد تطهرت من الطاغوت كله : رومانيا وفارسيا وعربيا على السواء . 

وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته . وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل الله ، ويزن بميزان الله ، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده ؟ ويسميها راية الإسلام ، لا يقرن إليها اسما آخر ; ويكتب عليها : "لا إله إلا الله " ! 

وتطهرت النفوس والأخلاق ، وزكت القلوب والأرواح ; دون أن يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر ; ولأن الطمع في رضى الله وثوابه ، والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات . . 

وارتفعت البشرية في نظامها ، وفي أخلاقها ، وفي حياتها كلها ، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط ; والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام . . 

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام ; كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم ، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك . وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا ، لا يدخل فيه الغلب والسلطان . . ولا حتى لهذا الدين على أيديهم . . وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا . . وعدا واحدا هو الجنة . . هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني ، والابتلاء الشاق ، والمضي في الدعوة ، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان ، في كل زمان وفي كل مكان ، وهو : "لا إله إلا الله " ! 

فلما أن ابتلاهم الله فصبروا ; ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ; ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم ، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم ، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض . ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت . . 

ما أن علم الله منهم ذلك كله ، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى . أمناء على العقيدة التي يتفرد فيها الله سبحانه بالحاكمية في القلوب والضمائر وفي السلوك والشعائر ، وفي الأرواح والأموال ، وفي الأوضاع والأحوال . . وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها ، وعلى عدل الله يقيمونه ، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ولا لعشيرتهم ولا لقومهم ولا ص: 1009 ] لجنسهم ; إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله ولدينه وشريعته ، لأنهم يعلمون أنه من الله ، هو الذي آتاهم إياه . 

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع ، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء ، وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها . . راية لا إله إلا الله . . ولا ترفع معها سواها . . وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره ; المبارك الميسر في حقيقته . 

وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله ، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية ، أو دعوة اجتماعية ، أو دعوة أخلاقية . . أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد : "لا إله إلا الله " . . 

ذلك شأن تصدي القرآن المكي كله لتقرير : "لا إله إلا الله " في القلوب والعقول ، واختيار هذا الطريق - على مشقته في الظاهر - وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى والإصرار على هذا الطريق . . 

فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها ، دون التطرق إلى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها ، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها . . فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمامه أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية . . 

إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا . . فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة . . كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير . . وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة الوارفة المديدة الظلال المتشابكة الأغصان ، الضاربة في الهواء . . لا بد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة ، وفي مساحات واسعة ; تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء . . فكذلك هذا الدين . . إن نظامه يتناول الحياة كلها ; ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ; وينظم حياة الإنسان لا في هذه الحياة الدنيا وحدها ، ولكن كذلك في الدار الآخرة ; ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها ; ولا في المعاملات الظاهرة المادية ، ولكن في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا . . فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية . . ولا بد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضا . . 

هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته ; يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده ; ويجعل بناء العقيدة وتمكينها ، وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعاب النفس كلها . . ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة ، وضمانا من ضمانات الاحتمال والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء ، والضارب من جذورها في الأعماق . . 

ومتى استقرت عقيدة : "لا إله إلا الله " في أعماقها الغائرة البعيدة ، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه : "لا إله إلا الله " وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة . . واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته ، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته . فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان . . وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول ، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها ; ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له . وهكذا أبطلت الخمر ، وأبطل الربا ، وأبطل الميسر ، وأبطلت العادات الجاهلية كلها ، أبطلت بآيات من القرآن ، أو كلمات من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها ونظمها وأوضاعها ، وجندها وسلطانها ، ودعايتها وإعلامها . . فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات ; بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات ! 


&بتصرف من ظلال القرآن تفسير سورة الأنعام